في جملة واحدة
التقدّم عند غينون ليس فكرةً بريئة؛ هو الشعار الذي به تُبرّر الحداثة كلّ شيء. وهو يَرفض ليس «أن يكون هناك تحسّن في مجالاتٍ معيّنة»، بل «أنّ البشرية كلَّها تَصعد في خطٍّ مستقيمٍ إلى ما هو أعلى». هذا عنده وَهم، وَعَكْسه هو الحقّ: البشرية في هبوط دوري.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» و«أزمة العالم الحديث»، بصياغة المحرّر.
عند غينون، فكرة التقدّم تَقوم على ثلاثة افتراضات، كلُّها عنده باطلة:
- الافتراض الأوّل: للزمن اتّجاهٌ واحدٌ صاعد. هذا يُناقض كلَّ التراثات (الهندوسية، اليونانية، الصينية، التراث الإبراهيمي) التي تَتكلم على دورات تَهبط ثمّ تَنتهي إلى فتحةٍ جديدة. والقرآن نفسه يتكلم على خير القرون الأوّل (قرن النبيّ ﷺ) ثم ما يَليه، ثم ما يَليه، إلى آخر الزمان وعلاماته.
- الافتراض الثاني: النمو المادّي يُعادل الرقيّ المطلق. هذا عند غينون خلطٌ بين مقياسَين لا علاقة لأحدهما بالآخر. إنّ زيادة الإنتاج الصناعي لا تَدلّ بالضرورة على تقدّم في المعرفة، ولا في الفضيلة، ولا في السعادة، ولا في القرب من الله.
- الافتراض الثالث: ما بَعْد أفضل ممّا قبل. هذا، في التراث الهندوسي الذي يَعتمد عليه غينون، هو معكوس الحقيقة: فالدورة تَبدأ بالعصر الذهبي، ثمّ تَنحدر عصرَ الفضّة، ثمّ النحاس، ثمّ الحديد (كَالي يُوكا)، ومنه إلى النهاية.
والخطورة الخاصّة لِفكرة التقدّم، عند غينون، أنّها تُعمي النقد: فإذا قَبل الناس أنّ العصر الحديث هو الذروة، لن يَرَوْا انحدارَه حين يَراه غيرهم. سيَفسِّرون كلَّ علاماتِ النهاية («هيمنة الكمّ»، الروحانية المنكوسة، انحلال المؤسّسات) بأنّها «تحدّيات على طريق التقدّم»، لا أنّها علامات نهاية الطريق.
ولِذلك يَعتبر غينون أنّ كسر هذه الفكرة شرطٌ أوّل لاستعادة الرؤية الصحيحة: لا يُمكن علاج مرضٍ من يَظنّ نفسه في أحسن صحّته.
شواهد من غينون
“الاعتقاد في «التقدم» بجعله في جوهره متطابقا طبيعيا مع هذا التطور المادي المهيمن على نشاط الغرب الحديث برمّته.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“العقلية الحديثة تخصيصا، ليست بالفعل سوى العقلية المضادّة لهذا التراث.” (أزمة العالم الحديث، الفصل الأول: العصر المظلم)
“وهكذا، فإن كلا هاتين الفكرتين «الحضارة» و«التقدم» المترابطتين بكيفية وثيقة جدا، لا يرجع تاريخهما إلا إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أي إلى العصر الذي شهد، في جملة ما شهد، مولد المذهب المادي.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“إنّ هذا التصور لخطأ غريب جدا؛ يدلّ على أفق عقلي ضيّق بامتياز، هذا الذي يعتبر الجزء على أنه الكل.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“إن للتطور اتجاهان متعاكسان حقا، هما الاتجاه المادي والاتجاه العقلي المستبصر العرفاني الخالص، ومن يغوص في أحدهما يبتعد حتما عن الآخر.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
لم يَرِد تعليقٌ خاصٌّ للشيخ على مصطلح «التقدّم» في المواد المتاحة، ولكنّه يَستعمل القاعدة القرآنية العامّة في نقد الرؤية الصاعدة للعصر الحديث، خصوصًا في ربطه بين «سَجْن الفرديّة المغرورة» وبين اعتقاد الغرب بأنّه «قِمّة التاريخ»، كما يظهر في تقديمه لـ «أزمة العالم الحديث».
مثال يقرّب المعنى
اسأل رجلًا من العصر الحديث: «هل نحن أفضل من أسلافنا؟»
سيقول بلا تردّد: «نعم». سيَذكر الطبّ، والتكنولوجيا، والمساواة بين الجنسين، وارتفاع متوسّط العمر. ويَظنّ أنّه بذلك قد حَسَم الأمر.
ولكن اسأله: «أفضل في ماذا؟» وستَكتشف أنّه:
- يَسوّي بين «التقدّم التقني» و«التقدّم المطلق».
- يَفترض أنّ معايير الحكم في القرن الواحد والعشرين صحيحة، والقرون السابقة خاطئة (بدون أن يُناقش المعايير).
- لا يَعرف أنّ غالب الحضارات في التاريخ كانت تَرى أنّ العصر الذهبي في الماضي، لا في المستقبل.
- لا يسأل: «أفضل في معرفة الله؟ أفضل في السكينة؟ أفضل في الفضيلة؟»، لأنّ هذه المقاييس لا تُعادل «ناتج محلي إجمالي».
هذه هي «خرافة التقدّم» عند غينون: لا أنّ كلَّ شيءٍ في الحداثة سيّئ؛ بل أنّ ادّعاءها الخطّي الصاعد يَخفي هبوطًا حقيقيًّا في ما هو أهمّ.
صلات
- الوعد الذي يُغَلِّف الحضارةَ المادّيّة: الحضارة بمعناها الحديث؛ الحضارة المادّيّة.
- النقيض الزمني: الدورات الكونية؛ المَانْفانْتَارا؛ كَالي يُوكا (التي نحن في آخرها، لا في أوّلها).
- الأرضية الفلسفية: نزعة الفردانية؛ العلم الظاهري.
- الأفق المعرفي: الحياة الدنيا.
- المرجع الجغرافي: الغرب هو منشأ الخرافة.
- الكتاب المرجع: شرق وغرب (الباب الأوّل).