في جملة واحدة

الطريق الأوسط هو عند غينون طريق المحور: يبدأ من مركز المرتبة الإنسانية، يصعد إلى ذروة السماء، وينتهي في المركز الكلي حيث تزول الجهات والتعارضات.

الشرح الميتافيزيقي

في ختام الثلاثية العظمى يفرق غينون بين معنى نسبي ومعنى مطلق للطريق الأوسط:

  1. المعنى النسبي: الطريق العمودي الذي يسلكه الكائن من مركز مرتبته نحو المراتب الأعلى. هنا يبقى “أعلى وأسفل”، لأن السالك لا يزال على المحور.
  2. المعنى المطلق: إذا تحقق الكائن بمعراجه وتطابق مع المحور حتى ذروة السماء، فإن القطب الأرضي يتحد له بالقطب السماوي. لا يبقى الطريق شيئا خارجا عنه، بل يستوعب المحور في ذاته.
  3. المركز الكلي: عند هذه النقطة لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا أعلى ولا أسفل. هذا هو الوسط بمعناه المطلق، لا الوسط بين طرفين فقط.

من هنا يتضح أن الطريق الأوسط ليس اعتدالا أخلاقيا عاديا، بل هو تحقق ميتافيزيقي بالمركز. وهو لذلك يتصل بـمحور العالم والإنسان المتعالي.

شواهد من غينون

“هذا الطريق، المسمى «طريق السماء»، يُمثله المحور العمودي المعتبر في الاتجاه الصاعد” (الثلاثية العظمى، الفصل السادس والعشرون: الطريق الأوسط)

“عندما يكون هذا الكائن قد تطابق مع المحور بتحقيقه لـــ«معراجه»” (الثلاثية العظمى، الفصل السادس والعشرون: الطريق الأوسط)

“بالنسبة لمثل هذا الكائن، يصبح القطب الأرضي متوحِّدا مع القطب السماوي” (الثلاثية العظمى، الفصل السادس والعشرون: الطريق الأوسط)

“إنه لا يزال «الطريق الأوسط» الحقيقي، بمعناه المطلق، لأنّ هذا المركز وحده هو «الأوسط» في جميع النواحي” (الثلاثية العظمى، الفصل السادس والعشرون: الطريق الأوسط)

“الطريق الذي هو طريق (يمكن سلوكه) ليس هو الطريق (المطلق).” (الثلاثية العظمى، الفصل السادس والعشرون، نقلا عن لاو-تسا)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يربط الشيخ مفتاح الطريق الأوسط بالصراط المستقيم في الإسلام. فالوسطية القرآنية ليست توسطا اجتماعيا سطحيا، بل مقام شهادة واعتدال كوني: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. ولذلك يكون “الطريق الأوسط” في القراءة الإسلامية هو طريق الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

ويزيد الشيخ هذا المعنى بربطه بالمعراج: الطريق العمودي ليس سيرا أفقيا بين الخيارات، بل صعودا من مركز الإنسان إلى الحق. وفي الفتوحات المكية يستعمل ابن عربي لغة المعراج والرجوع والقطب والمركز لتفسير انتقال العارف من التقييد إلى الإطلاق، ثم رجوعه بالحق إلى الخلق.

ما ليس هو الطريق الأوسط

ليس الطريق الأوسط عند غينون تسوية بين رأيين، ولا اعتدالا نفسيا بين إفراط وتفريط فقط. هذه معانٍ صحيحة على مستوى الأخلاق، لكنها أدنى من مراد الفصل الأخير. الطريق الأوسط هنا هو الطريق الذي لا يبدأ من المحيط، بل من المركز؛ ولذلك لا يُسلك إلا بعد تصحيح موضع السالك نفسه.

كما أنه ليس “طريقا ثالثا” بين السماء والأرض بمعنى إضافة حد خارجي عليهما. الإنسان لا يكون وسيطا إلا لأنه في مركز مرتبته، والمركز لا ينافس القطبين بل يربطهما. فإذا فُهم الطريق الأوسط أفقيا ضاع معناه؛ وإذا فُهم محوريا صار هو الصراط والمعراج ومعنى “تشونغ يونغ” في وقت واحد.

مثال يقرّب المعنى

تخيل شخصا في وسط دائرة:

  • إذا تحرك يمينا أو يسارا بقي في المستوى نفسه.
  • إذا تقدم أو تأخر بقي في المحيط الأفقي نفسه.
  • الطريق الوحيد الذي يخرجه من مستوى الدائرة هو الخط العمودي الصاعد من المركز.

هذا الخط هو الطريق الأوسط. ليس لأنه يقع بين اليمين واليسار فقط، بل لأنه يبدأ من النقطة التي يتعادل فيها كل اتجاه أفقي. فإذا وصل السالك إلى المركز الكلي، لم يعد هناك طريق يقطعه؛ صار المركز نفسه هو الطريق.

صلات