في جملة واحدة
السماء والأرض والإنسان هي الثلاثية العظمى في ملّة الصين: السماء مبدأ فاعل يغطي، والأرض مبدأ منفعل يدعم، والإنسان الحدّ الأوسط الذي تتحد فيه التأثيرات السماوية والأرضية في مركز مرتبته.
الشرح الميتافيزيقي
لا يقرأ غينون السماء والأرض بوصفهما مكانين حسّيين فقط. السماء هي الجوهر الفاعل المتوحّد، والأرض هي الجوهر المنفعل المتكثّر. وبينهما يظهر الكون كله، لا كصراع بين مبدأين، بل كتجلٍّ يقع بين قطبين متكاملين.
الإنسان هو الحد الثالث. لكنه ليس “ثالثا” بمعنى رقم مضاف إلى اثنين؛ هو نتيجة ووساطة:
- هو “ابن السماء والأرض” لأن طبيعته تجمع المبدأ الفاعل والمبدأ المنفعل.
- هو “وسيط” لأنه في مركز مرتبته يستطيع أن يصل التأثيرات العلوية بالسفلية.
- هو “العالم الصغير” لأنه يجمع في ذاته ما في العالم الكبير من مراتب.
وهذا لا ينطبق بكماله على الإنسان العادي، بل على الإنسان الحقيقي: من عاد إلى مركز الفطرة الأصلية وصار وجوده متوازنا بين يين ويانغ. لذلك تكون الثلاثية عند غينون طريق قراءة للتحقق، لا مجرد رسم كوسمولوجي.
شواهد من غينون
“السماء تغطِّي، الأرض تدعم” (الثلاثية العظمى، الفصل الثالث: سماء وأرض)
“في جميع الأحوال، وعلى أي مستوى نعتبرهما مترابطين، فإنّ السماء والأرض هما دائمًا على التوالي مبدأ فاعل ومبدأ منفعل” (الثلاثية العظمى، الفصل الثالث: سماء وأرض)
“السماء أبوه، والأرض أمّه” (الثلاثية العظمى، الفصل التاسع: ابن السماء والأرض)
“الإنسان،باعتباره الحدّ الثالث للثلاثية العظمى، يُمثِّــل فعليّاجملة كلّ الكائنات الظاهرة.” (الثلاثية العظمى، الفصل التاسع: ابن السماء والأرض)
“هو بحصر المعنى «الوسيط» الذي يتم بواسطته الاتصال بين السماء والأرض” (الثلاثية العظمى، الفصل الرابع عشر: الوسيط)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يربط الشيخ مفتاح هذه الثلاثية بالمعجم الإسلامي من جهة عالم الأمر وعالم الخلق والقلب. فالسماء تقابل عالم الأمر والروح العلوي، والأرض تقابل عالم الخلق والنفس والطبيعة، والإنسان في مركزه يقابل القلب الجامع بينهما.
ولهذا يلحق الشيخ بالكتاب نصا من “عوارف المعارف” للسهروردي في الروح والنفس والقلب، ثم خلاصة من الباب 198 من الفتوحات المكية لابن عربي. مقصده أن يبين للقارئ المسلم أن الثلاثية الصينية ليست غريبة عن البنية القرآنية والأكبرية: فالكائن الإنساني جامع بين العلو والسفل، وبين الروح والنفس، ولا يصير وسيطا إلا إذا تحقق قلبه بالاعتدال.
حدود القراءة
لا تعني هذه الصفحة أن كل فرد بشري يملك بالفعل مقام الوساطة. غينون يميز بين الإنسان من حيث هو إمكان مركزي، والإنسان الحقيقي الذي حقق ذلك الإمكان بالفعل. فالإنسان العادي قد يكون “ابن الأرض” أكثر مما هو “ابن السماء” إذا غلب فيه الخارج على الداخل، والانفعال على الفعل، والتشتت على المركز.
ومن هنا تأتي خطورة القراءة الإنسانية الحديثة: إذا جعلت الإنسان مركزا مستقلا بذاته قطعت علاقته بالسماء، وإذا أذابته في الطبيعة قطعت وظيفته الوسطى. أما القراءة التراثية فتجعل مركزية الإنسان نسبية ومشروطة: هو مركز مرتبته لأنه يصل، لا لأنه يستقل.
مثال يقرّب المعنى
تأمل بيتا قائما:
- السقف يغطي ويحمي: هذه صورة السماء.
- الأرضية تحمل وتدعم: هذه صورة الأرض.
- العمود الأوسط يصل السقف بالأرضية، وبه يستقيم البيت: هذه صورة الإنسان الوسيط.
لو غاب العمود اختلّ البناء، ولو انفصل السقف عن الأرضية لم يعد البيت بيتا. الإنسان الحقيقي هو العمود الحيّ في هذا البناء: لا يستقل عن السماء، ولا يذوب في الأرض، بل يحقّق الصلة بينهما.
صلات
- قطبا الثلاثية: يين ويانغ؛ بوروشا وبراكريتي.
- الحد الأوسط: الإنسان الحقيقي والإنسان المتعالي؛ الإنسان الكامل.
- الرموز الهندسية: محور العالم؛ الكرة؛ المكعّب؛ الصليب المعقوف.
- الطريق العمودي: الطريق الأوسط.
- التراث الحامل: الطاوية.
- الكتاب المرجع: الثلاثية العظمى.