في جملة واحدة

الطاوية هي الجانب الباطن من ملّة الصين، التي تَعود في أصلها إلى الإمبراطور الأوّل «فو-هي» (نحو ٣٧٠٠ ق.م) ثمّ أُعيد تجديدُها في القرن السادس قبل المسيح على يد الحكيم «لاو-تسا» في كتاب واحد بالغ الإيجاز اسمه «طاو-تي-كينڨ» (كتاب الطريق والاستقامة)؛ مَوضوعها: المعرفة الميتافيزيقية الخالصة والتربية الروحية العرفانية المخصوصة بصفوة قليلة، ومَبدؤها الأعلى هو «الطاو» (الطريق) الذي هو في نفس الآن «الأوّل والآخر لجميع الكائنات».

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «الثلاثية العظمى» (مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»، ١٩٣٢)، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون التَعريف على ست نقاط:

  1. القدَم الفعلي: ليست الطاوية «دينًا» نَشأ في القرن ٦ ق.م، بل تجديدًا لتراثٍ مَوغل في القدَم. الإمبراطور «فو-هي» (~٣٧٠٠ ق.م) لم يَكُن مؤسِّسًا بل مُجدّدًا لِما هو أقدم. ولاو-تسا في القرن ٦ ق.م لم يَكن مبتدعًا بل مجدّدًا لِما عَمَله فو-هي. وغينون يَستحضر اعتراف «كونـڨ-تسا» نفسه: «إنّي رَجل أحَبَّ الأسلاف، وبذل كلّ جهوده ليكتسب معارفهم».
  2. الطاو: المبدأ الأعلى. ترجمته الحرفية «الطريق» لكنّ المعنى أعمق: الأوّل والآخر لجميع الكائنات، يَدلّ عليه شكل الحرف الصيني نفسه. وهو ما يُسمّيه التراث الهندوسي «براهمن» وما يُسمّيه التصوّف الإسلامي «الحقّ تعالى» في إطلاقه. والـ«تي» (الذي يُتَرجم خطأً «الفضيلة») هو خصوصية «الطاو» لكائن معيّن، أي اتّجاه الكائن الموافق لاستقامة الطريق.
  3. عَدَم التَصرّف (Wu-Wei): المبدأ التربوي الأشهر. ليس «العَطالة» كما يُتَوهّم، بل «أكمل نشاط لكنّه نشاط متعالٍ وباطنيّ تمامًا، فلا يَظهر في الخارج، متّحدًا مع المبدإ». ويُكافئ مفهوم «المحرّك السّاكن» عند أرسطو، ومفهوم «التركيز» و«الحضور» عند الصوفية (راجع آية ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ — العنكبوت:٦٩ — للتركيز كأصل).
  4. التَعليم المُغلق: الطاوية لا تَطلب الانتشار. «قد قيل إنّ لاو-تسا لم يَأتمن تعليمه إلا لمُريديْن اثنيْن، كَوّنا بدورهما عشرة آخرين». ومناهجها أصعب من المناهج الهندوسية، وتَكاد لا تَنطبق على غير الجنس الصينيّ.
  5. التأثير المستور: رغم انغلاقها، تأثيرها على الحضارة الصينية بَالغ. تَقوم بدور «المحرّك السّاكن» = القطب المستور للدولاب الكونيّ الصيني. وغينون يَتحدّث عن تنظيمات صينية سرّيّة تَنبثق منها لِلقيام بمَهامّ ظاهرة ثمّ تَزول بمجرّد إتمام عَمَلها (مثل أسطورة قَدْمُوس الذي يَزرع أسنان التنّين فتَنبت جنودًا مُسلَّحين، التي هي ترميزٌ لِنفس الظاهرة).
  6. الاستمرار إلى اليوم: الطاوية «بَقيت من وراء هذه الطوارئ العارضة». والكنفوشيوسية يمكن أن تَندثر إنْ تَغيّرت الأوضاع، لكنّ الطاوية تَبقى لأنّها متّصلة بالمبدأ. وغينون يَكتب هذا الكلام عام ١٩٣٢، في خِضم ثَورات الصين، ويُحذّر القارئ من الانخداع بالظواهر.

عَلاقة الطاوية بالإسلام عند الشيخ مفتاح

في مدخل «الثلاثية العظمى»، يُحرّر الشيخ مفتاح موقفًا دقيقًا: الطاوية في مَبدئها الأصلي النَّقيّ ميتافيزيقا توحيد تَلتقي مع الإسلام لاسيّما في جانبه الصوفي. والآيات القرآنية التي يَستحضرها (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ — البقرة:٢١٣؛ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ — النساء:١٦٣؛ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ — الحج:٦٧) تَستوعب فكرة أنّ الله بَعَث في كلّ أمّة هاديًا. حديث أبي ذرّ يَذكر ١٢٤٠٠٠ نبيًّا و٣١٣ رسولًا، فلا غرابة أن يَكون فيهم من بَعَثَهم الله في الصين القديمة. لكنّ الشيخ يُحذّر مرارًا: ما يَنطبق هو المبدأ الأصلي النَّقيّ، لا الانحرافات والشركيات التي تَطرأ بِمرور الزمن.

ويَخلص الشيخ إلى أنّ غينون نفسه (الذي اعتنق الإسلام واتّصل بالطريقة الشاذلية) لم يَكن يَدعو لِسلوك الطاوية، بل يَجعلها مرآةً للعرفان المقارن لِمساعدة القارئ الغربي على فَهم بنية التَوحيد. «الغاية النهائية لكلّ ما كتبتُ هي الطريقة» — كلمة غينون نفسه التي يَستشهد بها الشيخ مفتاح.

النصوص المرجعية

  • يي-كينڨ (كتاب التحوّلات / Yi-King): الأصل الميتافيزيقي الذي وَضَعه فو-هي، يَضمّ ٦٤ شكلًا سداسيًّا من تَركيبات «يين-يَانـڨ».
  • طاو-تي-كينڨ (Tao-te-King): كتاب لاو-تسا الوحيد، ٨١ فصلًا قصيرًا في غاية الإيجاز.
  • شروح تشوانـڨ-تسا ولي-تسا (القرن ٤ ق.م): التَفصيل التَطبيقي.

المعجم الطاوي الرئيسي

الكلمة الصينيةالترجمة العربيةالمعنى
طاو (Tao)الطريقالمبدأ الأعلى
تي (Te)الاستقامةخصوصية الطاو لكائن معيّن
تيان (Tien)السماءالجوهر الفاعل المتوحّد
تي (Ti)الأرضالجوهر المنفعل المتكثّر
تاي-كي (Tai-Ki)الوحدة المتعاليةالمبدأ المشترك للسماء والأرض
وُو-كي (Wu-Ki)غيب الهويّة الذاتيةالصفر الميتافيزيقي وراء تاي-كي
يَانـڨ (Yang)الفاعلالقطب المُذكَّر النوراني
يين (Yin)المنفعلالقطب المؤنّث الظلامي
وُو-وي (Wu-Wei)عَدَم التَصرّفالنشاط الباطنيّ المتعالي
تشان-جان (Tchen-jen)الإنسان الحقيقيكمال المرتبة البشرية
شيون-جان (Sien-jen)الإنسان المتعاليتَجاوز المرتبة البشرية
مينغ-تانـڨ (Ming-tang)البيت الإمبراطوريالرَّمز الكوني للمركز
وانـڨ (Wang)الملك-الحَبْرالإمبراطور بوصفه قطبًا روحيًّا

شواهد من غينون

“هذا الفصل الحاصل بالفعل بين الطـّاويّة والكنفوشيوسية، أي بين المذهب الباطني والمذهب الظاهري، يشكـِّل، بغضّ النظر عن المسائل الشكلية، أحد أهمّ الفوَارق الموجودة بين حضارة الصّين وحضارة الهند.” (الثلاثية العظمى، مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»)

“«ترْك التصرّف» لا يعني بتاتـًا العطالة، وإنما هو بالعكس أكمل نشاط، لكنـّه نشاط متعال وباطنيّ تمامـًا، فلا يظهر في الخارج، متـّحِدًا مع المبدإ.” (الثلاثية العظمى، مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»)

“الحكيم يحبّ الخفاء، فهو لا يكشف عن نفسه لكلّ قادم؛ إنه يرَاعي الأزمنـة والأوضاع.” (الثلاثية العظمى، مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»، نقلًا عن لاو-تسا)

“وجهة نظره، هي وجهة مِن أين هذا وذاك، حيث لم يقع بَعْدُ التمييز بين «نـَعَم» و«لا».” (الثلاثية العظمى، مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»، نقلًا عن تشوانـڨ-تسا)

“وهي لا تسعى بتاتـًا لإشاعة المذهب الحافظة له، في الخارج؛ وأخيرًا، فإنّ وجهة نظرها نفسها، وكيْفيّة التعبير عنها، ومناهج تعليمها هي في غاية التـّباين عن الذهنية والفكر الغربيّ الحديث.” (الثلاثية العظمى، مقال «الطاوية والكنفوشيوسية»)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

ما يَفعله الشيخ مفتاح حين يُترجم «الطاوية» إلى العربية ليس مجرّد نَقل لُغوي. هو يَستعمل المعجم الصوفي العربي لِنقل المنطق الطاوي:

> - «طاو» = «الطريق» (لا «التَّقليد» ولا «المذهب»)، وهو نفس المعنى العربي لِـ«الطريقة» الصوفية. > - «الإنسان الحقيقي» = إنسان الفطرة (﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾ — الروم:٣٠). > - «الإنسان المتعالي» = الإنسان الكامل بالمعنى الأكبريّ. > - «عَدَم التَصرّف» = التَوكّل والتفويض في المعجم الصوفي. > - «الوحدة العظمى» = «الفتح الكبير» في مقامات الصوفية.

هذا الاختيار اللُّغوي يَكشف عن قناعة الشيخ: الطاوية، في صَفائها الأصلي، صياغة صينية لِنفس المنطق الذي يَصوغه التصوّف الإسلامي بمعجم قرآنيّ. وحين يَستحضر الشيخ آيات وحدة الدين الإلهي في مدخل الكتاب، فهو يُؤطِّر الطاوية كأثرٍ من آثار النبوّات السابقة في ملّة موْغِلة في القدم. لكنّه لا يَدعو إلى سلوكها، بل إلى فَهمها كأداةٍ للعرفان المقارن.

ومن أعمق ما يُؤطِّره الشيخ ربط أعداد الفصول بِمراتب الوجود الأكبريّة: الكتاب ٢٧ فصلًا = ٣ × ٣ × ٣ = عدد مراتب الوجود التي فصّلها ابن عربي في الباب ١٩٨ من «الفتوحات المكية» (من الفصل ١١ إلى الفصل ٣٨). فأعداد فصول كتب غينون، ككتب ابن عربي، لها دلالاتها المتعلّقة مباشرة بمواضيعها. وهذه ملاحظة دقيقة تَكشف عن بنية رياضية-ميتافيزيقية مشتركة بين تصنيف غينون والتصنيف الأكبريّ.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل ملّة الصين كشَجرةٍ ذات أصلٍ واحدٍ وفرعَين:

  • الأصل: الترّاث الأقدم الذي يَعود إلى «فو-هي» (~٣٧٠٠ ق.م)، الذي وَضَع الأشكال الخطّية الثمانية «كوُوَا» في «يي-كينڨ» (كتاب التحوّلات) كحاملاتٍ لكلّ المبادئ الميتافيزيقية والتطبيقية للملّة.
  • الفرع الباطن (الطاوية): لِلصَّفوة، يَتعلّق بالميتافيزيقا الخالصة، علم الأعداد، رمزية «يين-يَانـڨ»، التربية الروحية. مؤسِّس صياغتها الجديدة: لاو-تسا (القرن ٦ ق.م).
  • الفرع الظاهر (الكنفوشيوسية): للجميع، يَتعلّق بالعلاقات الاجتماعية والأخلاق العملية والآداب. مؤسِّس صياغتها الجديدة: كونـڨ-تسا = كنفوشيوس (نفس القرن).

ليس بين الفرعَين تنافس ولا تَناقض. الكنفوشيوسية لا تَعرف الطاوية لأنّها مَخصوصة بصفوة، والطاوية لا تُنازع الكنفوشيوسية لأنّ مَيدانها أرفع. والاتّصال بينهما يَحصل في الدرجة العليا للكنفوشيوسي (شانـڨ = الحكيم) التي هي الدرجة الدنيا للطاوي (شانـڨ-جان). فينتقل السالك بلا قطعٍ من الظاهر إلى الباطن، تماما كما يَنتقل في الإسلام من الشريعة إلى الطريقة إلى الحقيقة.

صلات