في جملة واحدة

العصر الحديث، عند غينون، هو العصر الذي صار فيه كمُّ الأشياء (عَدَدُها، قياسُها، حجمُها) أهمَّ من كيفها (مرتبتها، معناها، قيمتها).

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

هذا القسم تلخيصٌ لموقف غينون كما ورد في كتبه، بصياغة محرّر الموسوعة. المادة مأخوذة من «هيمنة الكمّ» و«أزمة العالم الحديث»، ثمّ أُعيد ترتيبُها هنا في نسَقٍ تعليمي. وكلّ كلام غينون الحرفيّ منقولٌ في قسم **شواهد من غينون** بعده، وكلّ تعليق المترجم في قسم **تعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح**.

في تصوّر غينون للوجود، ثمّة قطبان لكلّ مجلى من مجاليه:

  • الكيف: القطب الأعلى، وهو ما يسمّيه «الجوهر الفاعل»، أي المبدأ الذي يُعطي للأشياء مراتبَها ومعانيها.
  • الكمّ: القطب الأسفل، وهو «الجوهر المنفعل»، أي القاعدة التي لا تمايزَ فيها، والتي تُشكّل الحدّ الأدنى للوجود الجسماني.

كلُّ دورة من دورات الظهور البشري (ما يسمّيه غينون المَانْفانْتَارا نقلًا عن التراث الهندوسي) تجري من الأعلى إلى الأسفل، من قطب الكيف المحض إلى قطب الكمّ الصرف. هذا هو معنى «الهبوط الدوري» عنده. ونحن الآن في المرحلة الأخيرة من الدورة الحاضرة، وهي المرحلة التي يسمّيها التراث الهندوسي كَالي يُوكا، أي «العصر المظلم»؛ مرحلة انحطاط لا مرحلة تقدّم كما تَزعم الحداثة.

فهيمنةُ الكمّ ليست إذن حالة معرفيّة فحسب، ولا مجرّد ذهنيّة سائدة يمكن تغييرها بالنقد؛ هي اسمٌ للطور الدوري الذي ندخل فيه، وفيه:

  1. تُختَصَر المعرفة إلى ما يُقاس، حتى يُزاحم العلمُ الكمّي الحديث العلمَ العرفاني.
  2. يُختَصَر الإنسان إلى الفرد المعزول، كأنّه «ذرّة اجتماعية»، وهذا ما يسمّيه غينون نزعة الفردانية.
  3. تُختَصَر الحضارة إلى الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي، وهي الحضارة المادّيّة.
  4. ثمّ ينتهي الأمر، لا إلى الصفر، بل إلى الانقلاب، وهو ما يسمّيه غينون الروحانية المنكوسة، أي صورةٌ شيطانية معاكسة للتراث الروحي، تَلْبَسُ ثيابَه لتضادَّه.

ومن هنا اسم كتاب غينون كاملًا: هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان. فالنصف الأول يصف المرض، والنصف الثاني يقرأ فيه علامات نهاية الدورة.

شواهد من غينون

“يمكن تقريبا تعريف عصرنا بأنّه جوْهريّا وقبْل كل شئ عهد «هيمنة الكمّ».” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“هذا الانحصار في الكمّي يترجم بدقة أوضاع المرحلة الدورية التي آلت إليها البشرية في الأزمنة الحديثة.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“ويمكن إذًا القول أيضا بأنّ الهبوط الذي ذكرناه يجرى من الكيف المحض نحو الكم الصّرف، والواحد والآخر هما بالتأكيد طرفان يقعان خارج ووراء مجلى الظهور، الواحد فوقيا والآخر تحتيا.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“النقطة الأسفل هي كظلّ مظلم أو صورة معكوسة لأعلى نقطة، ومنه تحصل هذه النتيجة المتناقضة في ظاهرها فقط، وهي أنّ الغياب الأتم لكل مبدأ يستلزم ضَرْبًا من «التزييف» للمبدأ نفسه.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“الهيمنة الغربية نفسها ما هي إلا تعبير عن «هيمنة الكمّ».” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“الغرب هو بالضبط نقطة غروب الشمس، أي أقصى مجراها النهاري، وحيث، تبعا لمقولة الرمزيـة الصينيـة: «الثمرة الناضجة تسقط عند أصل الشجرة».” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“فبيْنما الكثرة المبدئية مدرجة في الوحدة الميتافيزيقية الحقيقية، فإنّ “الوحدات” الحسابية أو الكَمِّية هي بالعكس مشمولة في الكثرة الأخرى التي هي في الأسفل.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“العصر الحديث هو عهد هيمنة الكمّ في كل الميادين.” (هيمنة الكمّ، فهرس الأفكار الأساسية)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“كلمة (tradition) يمكن ترجمتها بـ(تقليد) و(دين) و(تراث) و(موروث)، لكنها كلها في تقديري لا تفي بمقصود الشيخ عبد الواحد يحيى، لأنّه يعنى بها خصوصا العمق العرفاني لكل ذلك أي لكل علم وسلوك وتراث ودين مُؤَصَّلٍ في وحي إلهي على الرسل والأنبياء، أو كشف رباني فُتِح به على ورثتهم من الأولياء والعارفين بالله تعالى.” (تعقيبات المترجم حول المقدّمة)

“كما فضلتُ ترجمة كلمة (profane) بلفظة (ظاهري) لأنّ سِيَاقها عند المؤلف مطابق أو قريب جدًّا لسياق ورُودها في الآية 7 من سورة الروم: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ].” (تعقيبات المترجم حول المقدّمة)

“والمدّة الزمنية للحقبة التي تعيشها البشرية الراهنة هي: 64800 سنة وخلالها مرّت البشرية بأربعة مراحل متتالية، الأولى دامت 25920 سنة، والثانية 19440 سنة، والثالثة 12960 سنة، والرابعة التي نحن في منتهاها: 6480 سنة وتسمّى (كالى يوكا) وبانتهائها تقوم الساعة.” (تعقيبات المترجم حول المقدّمة)

“في بعض نصوص العرفان الصوفي نجد معطيات تتعلق بالأدوار الوجودية. وهي تستند عموما على مبدأين : الأول يتعلق بما يُسمّى بـ”أيّام الله” حيث لكل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى حكم زمني له دورة مُعيّنة، والثاني يتعلق بالحكم الزمني لكل برج من البروج الإثنى عشر في العالم.” (تعقيبات المترجم حول المقدّمة)

“من أمثلة المحاكاة الشيطانية للتجليات الربانية ما ورد في قصّة النبي مع الشاب الكاهن اليهودي صاف بن صياد . وفي آخرها أنّ صاف كان يتخيل في عرش إبليس على البحر أنّه العرش الذي استوى عليه الرحمن عز وجل، فقال له : ذلك عرش إبليس.” (تعقيبات المترجم حول المقدّمة)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

الشيخ لا يكتفي بنقل كلام غينون إلى العربية؛ إنه يَبْني لِكلامه جسرًا معرفيًّا يصلُه بالعرفان الإسلامي وبنصوص ابن عربي، ليُمَكِّن القارئ العربيّ من التقاطُ المقصود في سياقه الحقيقي. ومن أوضح هذه الجسور في مقدّمة هذا الكتاب:

في تسمية الشيخ لـ«التراث العرفاني» (tradition):

في تسمية «الظاهري» (profane):

في تحديد مُدَد كالي يوكا بالأرقام:

في ربط نظرية الأدوار عند غينون بابن عربي:

في تفسير «صورة الشيطان المتشبّه بالإله» (وهو تعبير غينون عن الروحانية المنكوسة) يستحضر الشيخ حديثًا نبويًّا:

هذا النقل من الشيخ ليس زخرفة هامشية، بل هو مفتاح: فالقارئ العربي يحتاج أن يَرى أنّ ما يقوله غينون بالمصطلح الأوروبي، قد قاله ابن عربي قبله بمصطلح آخر، وعلى أساس ميتافيزيقي أرسخ في ذهنه. وبذلك يتحوّل الكتاب من شهادة غريب، إلى شهادة مطابقة في لغتين.

مثال يقرّب المعنى

هذا المثال من تأليف محرّر الموسوعة لا من كلام غينون ولا من كلام المترجم، وضِعَ لتقريب الفكرة بلغة اليوم قبل الدخول إلى الشرح الميتافيزيقي.

فكِّرْ في الأمور التي تقاس اليوم بالأرقام وحدها:

  • المدرسة تقاس بعدد التلاميذ وبنسبة النجاح في الامتحان، لا بِنَوْع ما يُعلَّم فيها ولا برسوخ أهلها في المعرفة.
  • الدولة تقاس بناتجها المحلي الإجمالي وعدد سكانها، لا بصَلاح أهلها ولا بمنزلتها الحضارية.
  • الشركة تقاس بربحها الفصلي وحجم تداولها، لا بما تؤدّيه من نفعٍ إلى الناس.
  • الكتاب يقاس بعدد المبيعات، لا بعُمق ما فيه.
  • الإنسان يقاس بدخله وبعدد «متابعيه»، لا بصفاته الباطنة.

هذه كلها، عند غينون، صُوَرٌ من هيمنة الكمّ. المقياس الظاهر يستولي على مكان المقياس الباطن، ثمّ يُلغيه رويدًا رويدًا. ويرى غينون أنّ هذا ليس مجرّد خطأ في طريقة التفكير؛ إنه مرحلةٌ من مراحل الدورة الكونية التي تعبرها البشرية، مرحلة يُستبدل فيها الكيفُ بالكمّ شيئًا فشيئًا، حتى يَعْمى الناس عن أنّ ثمّة ما وراء الأعداد.

صلات

هيمنة الكمّ هي **التَّشخيص المركزي** الذي يَنتظم به كلّ نَقد غينون للحَداثة: يَنبثق منها [[concepts/nazat-al-fardaniyya|الفردانية]] (اختزال الإنسان إلى فَردية مُنفصلة)، و[[concepts/hadara-maddiyya|الحضارة المادّية]] (اختزال الواقع إلى المَحسوس)، و[[concepts/al-ruhaniyya-al-mankusa|الروحانية المنكوسة]] (الانقلاب الشيطاني في آخر الدورة). نَقيضها البِنيوي [[concepts/al-kayf|الكَيف]] الذي تَطمسه، وعِلاجها استرداد [[concepts/al-irfan-al-khalis|العِرفان الخالص]] و[[concepts/al-turath-al-ruhi|التراث الروحي]]. وهي عَلامة [[cycles/kali-yuga|كالي-يوغا]] في ذُروتها.

  • القطب المقابل: الكيف؛ ما يُنتزع من العالم حين تَسُود هيمنة الكمّ.
  • المكوِّن الأساسي: الكمّ؛ القطب الأسفل في الوجود الجسماني.
  • الفرع الاجتماعي: نزْعة الفردانية؛ اختصار الإنسان إلى ذرّة معزولة، وهو من أوضح آثار هيمنة الكمّ.
  • الفرع الحضاري: الحضارة المادّيّة؛ الحضارة التي تنتج عن هيمنة الكمّ.
  • الصورة الأخيرة: الروحانية المنكوسة؛ نهاية الدورة لا في صورة صفر، بل في صورة انقلاب.
  • الدورة الحاملة: كَالي يُوكا؛ المرحلة الكونية التي تبلغ فيها هيمنة الكمّ مداها.
  • الكتاب المرجع: هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان؛ الصياغة الأكبر لهذا التشخيص.
  • الجذر النظري في كتاب آخر: أزمة العالم الحديث؛ التشخيص المركزي الذي يَسبق هذا الكتاب.
  • الموقع السياسي للتقابل: الغرب؛ الهيمنة الغربية عند غينون هي بعينها «هيمنة الكمّ».