في جملة واحدة
نزْعة الفردانية ليست مجرّد حبٍّ للاستقلال الشخصي، بل هي، عند غينون، الموقف الذي يُنكر كلّ مبدأ أعلى من الفرد، ويَختزل كلّ معرفة وحضارة إلى ما يُنتجه البشر وحدَهم. وهي الأصل الذي منه تَخرج كلُّ أمراض الحداثة الأخرى.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «أزمة العالم الحديث» و«شرق وغرب» و«السلطة الرّوحية والحكم الزمني»، بصياغة المحرّر.
يَقرأ غينون نزعة الفردانية على ثلاث طبقات:
- الطبقة الميتافيزيقية: الفرد في حقيقته ليس جوهرًا مستقلًّا، بل هو حالةٌ من حالات الكائن. الكائن أوسع من الفرد بـ مراتب لا نهائية من الوجود، ومن جَعَل الفرد مرجعَه الأخير فقد قطع نفسه عن الإنسان الكامل الذي يجمع المراتب كلَّها.
- الطبقة السياسية: السلطة المشروعة عند غينون تَأتي من فوق الفرد (السلطة الرّوحية)، لا من تجميع آراء الأفراد. حين يُنكَر هذا الأصل، تَبرز «الفردية في الحين»: السياسة تَصير سوقًا، والمعرفة تَصير بضاعة، والسلطة تَنحدر إلى الحكم الزمني المطلق.
- الطبقة المعرفية: العقل الفردي ليس أعلى شيء في الإنسان. فوقه «العقل المفارق السامي» الذي يَستقبل الحقائق من مصدرها الأعلى. حين يُؤَلَّه العقل الفردي وحده، يَنشأ «خرافة الفكر الفردي» التي يسمّيها غينون أخطر ما في فلسفات الحداثة، من ديكارت إلى برجسون.
وأصل الحركة كلُّها، عند غينون، هو ديكارت: «أنا أفكّر إذن أنا موجود» هي الصيغة الفلسفية الأولى للانقلاب. من ديكارت إلى كانط إلى النسبيّة المعاصرة، الخطّ واحد: استقلال الفرد عن أيّ مبدأ فوقه، ثمّ نصّبه مرجعًا أخيرًا.
شواهد من غينون
“الذي نعنيه بـ«الفردانية» هو إنكار أيّ مبدإ أعلى من الفرد، وبالتالي فهو اختزالٌ لجميع ميادين الحضارة في نطاق العناصر البشرية الصرفة وحدها.” (أزمة العالم الحديث، الفصل الخامس: نزْعة الفردانية)
“فــ« الفلسفة الجديدة» [لـ”برجسون”]، كما يسمّيها أتباعها؛ استــَبدلتْ خرافة الفكرالفردي بخرافةٍ أفحش منها في بعض الجوانب” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“وبمجرّد تجاهل هذه السلطة، من المنطقي أنْ تبرز الفرديّة في الحين.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السادس: ثورة الكشاطريّه)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“في هذا الكتاب (أزمة العالم الحديث) يشرح الشيخ كيف أنَّ الحضارة المعاصرة سجنت أهلها في المادّية القاتلة، والشخصانيّة الوهميّة والفرديّة المغرورة…” (أزمة العالم الحديث، تقديم المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَصِف الشيخ في مقدّمته الفردانيةَ بنفَسٍ قرآنيٍّ مباشر، حين يَجْمع بينها وبين الماديّة والشخصانية ثلاثةً متكاتفة:
الوصفُ ثلاثيّ: «ماديّة قاتلة» (في المادّة)، «شخصانية وهميّة» (في المعرفة)، «فرديّة مغرورة» (في الإرادة). وبهذا الجمع يُدخل الشيخ المفهومَ الغينونيّ في معجم «الغرور» و«الغفلة» الذي يَعرفه القارئ المسلم في القرآن والحديث.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل الفرق بين موقفَين متقابلَين أمام سؤال «ما الحقّ؟»:
- الموقف التراثي: أنا أتلقّى الحقَّ من وحيٍ أو كشفٍ أو عرفانٍ فوق شخصي. مصدر الحقّ ليس في رأسي؛ أنا وسيطٌ عليه أن يَتأدّب معه. إن خالفه قلبي، فالعيب في قلبي لا فيه.
- الموقف الفرداني: الحقّ هو ما أراه صحيحًا بعقلي أنا. لا سلطة فوق عقلي الفردي. وكلّ ادعاءٍ بسلطةٍ فوق عقلي هو «كهنوت» و«تسلّط»، يَجب رفضه.
هذا الانقلاب البسيط في المصدر، عند غينون، هو الذي يُولّد الحداثة كلَّها:
- إن كان الحقّ رأيي، فالسياسة هي تجميعُ آراء (ديمقراطية).
- إن كان الحقّ رأيي، فالعلم هو ما أكتشفه بحواسي (تجريبية).
- إن كان الحقّ رأيي، فالدين مسألة ذوق خاص (علمانية).
- إن كان الحقّ رأيي، فلا وجود لحقيقة مطلقة (نسبيّة).
كلُّ هذه «فروعٌ» عند غينون، وأصلها في جذرٍ واحد هو «أنا» الفرداني.
صلات
- المُنكَر عليه: التراث الروحي؛ السلطة الرّوحية؛ كلّ مبدأ فوق فردي.
- التعبير الفلسفي: ديكارت هو الأصل الأوّل؛ ويَمتدّ الخطّ إلى العقلانية والتجريبية والوضعية.
- الثمرة المعرفية: العلم الظاهري؛ الحياة الدنيا.
- الثمرة الحضارية: الحضارة المادّيّة؛ التقدّم.
- الثمرة السياسية: تمرّد الكشاطرية؛ انقلاب السلطة الرّوحية إلى الحكم الزمني.
- الطور الجامع: هيمنة الكمّ (الكمّ والفردانية وجهان لعُملةٍ واحدة: كلاهما يَنفي المرتبة والنوع والمبدأ).
- الكتب المرجعيّة: أزمة العالم الحديث؛ شرق وغرب؛ السلطة الرّوحية والحكم الزمني.