في جملة واحدة

«الحضارة» عند غينون ليست كلمةً ذات معنى مطلقٍ واحد؛ هي هيئةٌ متكاملةٌ من المعرفة والمؤسّسات والتربية، ولها في كلّ أمّةٍ اتّجاهٌ خاصٌّ. والخطأ الحديث هو رفع صورةٍ واحدة (الأوروبية الصناعية) إلى «الحضارة» بلا إضافة.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» (الباب الأوّل)، بصياغة المحرّر.

يُقدِّم غينون في تحليله للحضارة ثلاثة مستويات:

  1. الحضارة المشروعة: هيئة مركّبة من معرفةٍ ومؤسّساتٍ وتربيةٍ متّصلةٍ بأصلٍ روحي (التراث الروحي). كلّ حضارةٍ سويّة قامت على هذا الوصف.
  2. الحضارات المتعدّدة: لكلّ أمّةٍ تراثٌ خاصّ، ومن ثمّ حضارةٌ خاصّة. لا يُوجَد «المعيار العالمي» الذي به تُقاس الأمم، لأنّ كلَّ حضارة تَقوم على مبدإ خاصٍّ بها.
  3. الشذوذ الحديث: الحضارة الغربية الحديثة ليست واحدةً من هذه الحضارات فحسب؛ هي صورةٌ شاذّة لأنّها قَطَعت صلتَها بالتراث الروحي، وجَعلت نفسها هي الحضارة بلا إضافة. هذا الادّعاء هو ما يُسمّيه غينون بـ «خرافة الحضارة».

ولِمعرفة لماذا قال غينون إنّ هذا شذوذ: إذا كانت كلُّ الحضارات التاريخية قامت على تراثٍ روحي، وحدها الحضارة الغربية الحديثة قامت على إنكاره، فهي الاستثناء لا القاعدة. ومع ذلك، فهي التي تدّعي أنّها النموذج الذي يَلزم بقيّة البشرية أن تَحذوَه.

ومن هنا نَفهم ارتباط هذا المفهوم بـ«التقدم»: إذ لا تكتفي الحضارة الحديثة بادّعاء أنّها الحضارة بامتياز، بل تَقتضي من البقيّة أن تَتقدّم نحوها. والتقدّم بهذا المعنى ليس «تَحسّنًا موضوعيًّا»؛ هو الاقترابُ منها.

شواهد من غينون

“لكن الأمر الأشد غرابة، هو دعوى جعل هذه الحضارة الشاذة النموذج نفسه الذي ينبغي أن تحذوه كل الحضارات الأخرى، وأن يُنظرَ إليها على أنها هي «الحضارة» بامتياز، بل حتى اعتبارها الوحيدة التي تستحق هذا الاسم.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“في مسار التاريخ، تظهر الحضارة الغربية الحديثة كشذوذ حقيقي، فهي الوحيدة من بين كل الحضارات المعروفة لدينا بمقدار يزيد أو ينقص، التي تطورت في اتجاه مادّي بحت.” (شرق وغرب، الباب الأول)

“وكما توجد «حضارات متعددة»، يوجد أيضا، خلال تطور كل واحدة منها، أو خلال بعض المراحل المتفاوتة كِبَراً وصِغَراً، «أنماط من التقدم» لا تشمل كل شيء بلا تمييز، وإنما تختص بهذا المجال أو ذاك.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“ومن الصعب التحديد المضبوط لهذه الجملة المعقدة من العناصر المنتمية إلى مجالات مختلفة، والمشكّلة لما يُسَمَّى «حضارة».” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

“ومن بين أوثان العقلية الحديثة الأشد تخريبا، هذه التي نحن بصدد كشف حقيقتها.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَستعمل الشيخ كلمةَ «الحضارة» مشفوعةً دائمًا بصفةٍ تُحدّدها، لا بلفظها المطلق، حتى يَمنع الخلط:

قلم المحرّر خلاصة تقديم الشيخ في «شرق وغرب» أنّ غينون أراد أن يبين للغرب أنّ الحضارات الشرقية حضارات عرفانية، وأن أي حوار لا يستحضر هذا الأصل سيقع في فرض الرؤية الغربية المنغلقة على غيرها.

قلم المحرّر لاحِظ كيف يَختار الشيخ تركيبَ «حضارات تراث روحي» بدل «حضارات»: ليس حشوًا، بل دقّةً اصطلاحيّة. ليس كلُّ شيءٍ يُسمّى حضارةً حضارةً بالمعنى الذي يَعنيه غينون؛ بل ما كان متّصلًا بتراثٍ روحي، هذا هو الحضارة الحقيقية. والبقيّة «شذوذ» في لغته، أو «هيكلٌ فارغ».

مثال يقرّب المعنى

اسأل رَجلًا أوروبيًّا في القرن العشرين: «هل الصين حضارة؟» سيقول: «حضارةٌ قديمة، نعم، لكنّها متأخّرة عن الحضارة». ثمّ اسأله: «وما الحضارة إذًا؟» سيصف بالتفصيل المجتمع الصناعي الحديث بمصانعه ومدارسه ومستشفياته.

هنا يَنكشف المغالطة: هو يَستخدم «الحضارة» مرّتين بمعنيَين مختلفَين، ويَظنّهما معنًى واحدًا.

  • في المرّة الأولى، «حضارة» تعني: منظومةٌ متكاملة من المعرفة والقيم والمؤسّسات لأمّةٍ ما.
  • في المرّة الثانية، «الحضارة» (بأل التعريف المطلقة) تَعني: حضارتي أنا، تحديدًا، وكلّ ما يَبعد عنها أقلّ.

غينون يَقبل المعنى الأوّل ويَرفض الثاني. يَعترف بحضارات شرقية، وإسلامية، وصينية، ويَعرف أنّ لكلّ واحدة منها اتّجاهًا مشروعًا. ويَرفض ادّعاءَ أنّ الحضارة الغربية الحديثة هي «المعيار» الذي به تُقاس البقيّة.

صلات