في جملة واحدة
الغرب عند غينون ليس الرقعة الجغرافية الأوروبية-الأمريكية، بل هو اسم الذهنية الحديثة المنقطعة عن التراث الروحي. وهو طارئ: كان الغرب قديمًا تراثيًّا، ثمّ انقلب في القرن السادس عشر، ثمّ صار في القرن العشرين اسمًا للشذوذ العالمي.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» و«أزمة العالم الحديث» و«هيمنة الكمّ»، بصياغة المحرّر.
يَرسم غينون مسار الغرب في ثلاث مراحل:
- الغرب التراثي (إلى القرن السادس عشر): حضارةٌ نصرانية كاثوليكية متّصلةٌ بالتراث الروحي، فيها وحدةٌ مسيحية (الأمّة المسيحية)، وتَوازنٌ بين السلطة الرّوحية والحكم الزمني (البابوية والإمبراطورية).
- الغرب الانتقالي (القرن السادس عشر إلى الثامن عشر): بدأت القطيعة مع البروتستانتية والنهضة والعقلانية. الغرب هنا في انحدار، ولكن بقايا التراث ما تزال حيّة.
- الغرب الحديث (من القرن التاسع عشر): انقطاعٌ تامّ عن التراث. نزعة الفردانية، العلم الظاهري، الحضارة المادّيّة، خرافة التقدم، وأخيرًا هيمنة الكمّ.
«الغرب» في النصّ الغينوني
- ليس مجرّد جغرافيا: اليابان الصناعية، سنغافورة، بعض مدن الهند ومصر: كلُّها «غربية» في مبدئها الحاضر.
- ليس عرقًا: الأوروبّيّ المتديّن التراثيّ ليس «غربيًّا» بالمعنى الغينوني.
- ليس زمنًا فقط: الغرب التراثي الموجود اليوم (بعض الكاثوليك التراثيين، بعض الأرثوذكس، بعض المحافظين) ليس من «الغرب الحديث».
الغرب الحديث عند غينون مبدأ، هو مبدأ الانقطاع عن ما فوق البشري. ومن ثَمّ، اتّسع جغرافيًّا إلى الكرة الأرضية كلّها، من خلال الاستعمار والحداثة والعولمة.
علامات الغرب الحديث
- المعرفة: لا تَعترف بما فوق الحسّ والعقل.
- السياسة: الديمقراطية (حاصل جمع آراء الأفراد)، لا شرعية تراثية من فوق.
- الاقتصاد: السوق مرجع، والمال معيار.
- الدين: شخصيّ، ذوقي، بلا مؤسّسة حاملة مشروعة.
- التاريخ: خطٌّ صاعد نحو «الأفضل»، لا دورةٌ هابطة.
شواهد من غينون
“فالعقلية الحديثة هي التي نعنيها عندما نتكلم عن العقلية الغربية بالرّجوع إلى ما هو موجود في العصر الرّاهن.” (أزمة العالم الحديث، الفصل الثاني: التعارض بين الشرق والغرب)
“في مسار التاريخ، تظهر الحضارة الغربية الحديثة كشذوذ حقيقي.” (شرق وغرب، الباب الأول: الحضارة والتقدم)
“الهيمنة الغربية نفسها ما هي إلا تعبير عن «هيمنة الكمّ».” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“الغرب هو بالضبط نقطة غروب الشمس، أي أقصى مجراها النهاري، وحيث، تبعا لمقولة الرمزيـة الصينيـة: «الثمرة الناضجة تسقط عند أصل الشجرة».” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“إنّ أغلب الأوربيين لم يقيـّموا بدقة أهميّة ما أخذوه عن الحضارة الإسلامية, ولم يفهموا طبيعة اقتباساتهم من هذه الحضارة في الماضي” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأول)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“أوثان الحداثة تتمثل في اللهفة وراء التطوّر المادّي المبتور عن كلّ ترَقّ روحي، وفي تأليه الفكر المقطوع عن الوحي الربّاني، وفي متاهات التكديس والتكاثر للتقنيات والعلوم المادّية دون اعتبار لأصولها العلويّة…” (أزمة العالم الحديث، تقديم المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَرى الشيخ في تقديمه لـ «أزمة العالم الحديث» أنّ الغرب الحديث مبنيٌّ على «أوثان»، وهذه كلمةٌ قرآنية قاسية، يَستعملها الشيخ بنفَس سورة إبراهيم:
قلم المحرّر كلمة «أوثان» اختيارٌ قرآنيٌّ مقصود. الشيخ يَرى في الغرب الحديث ليس «حضارةً متأخّرة في الدين»، بل حضارةً مُشركة: تَعبد المادّة، والفكر الفردي، والتكنولوجيا، في موضع ما كان يَجب أن يُعبَد فيه الله وحده. بهذا يَصير نقد غينون للغرب، في صياغة الشيخ، نقدًا إسلاميًّا ثقيلًا للشرك الخفي في الحضارة الحديثة.
مثال يقرّب المعنى
خذ رجلَين أوروبيَّين عاشا في نفس المدينة بباريس، ولكن بفاصلٍ زمني:
- الأوّل، في القرن الثاني عشر: نصرانيّ كاثوليكي، يَعرف المسجد والكنيسة فيلسوفًا واحدًا هو «اللاهوت المقدّس»، يَحجّ إلى روما والقدس، يَحترم الكاهن والعالم، ويَشتغل في صنعته بحكمةٍ تَنظر إلى الآخرة.
- الثاني، في القرن الحادي والعشرين: لا ديني، يَعرف نفسه في خانة «الفرد الحرّ»، يَعتبر الدين خياراً شخصيًّا، يَعتبر الكاهن موظفًا، ويَشتغل في وظيفةٍ يَقيسها بالراتب.
كلاهما غربيّ بالجغرافيا. ولكنّ الأوّل، عند غينون، شرقيّ في مبدئه، يَتشارك مع الصين والهند والإسلام بنيتَهم التراثيّة. والثاني غربيّ في مبدئه، يَتفارق مع أسلافه كما يَتفارق مع الشرق.
هذا التمييز مهمّ: فلا يَذمّ غينون «الأوروبيّين» بما هم أوروبيّون؛ هو يَذمّ ذهنيّةً معيّنةً ظَهرت في الغرب من القرن السادس عشر، ثمّ عَمَّت العالم. ولذلك يَقول إنّ «الغرب الحديث» هو الاسم الدقيق؛ أمّا «الغرب قَبْل الحداثة» فَكان، هو أيضًا، من جهة المبدأ، جزءًا من الشرق التراثي.
صلات
- القطب المقابل: الشرق.
- الصورة الحضارية: الحضارة المادّيّة؛ الحضارة بمعناها الشاذّ.
- الأصل الفلسفي: نزعة الفردانية (ومنها ديكارت)؛ ديكارت.
- الصورة المعرفية: العلم الظاهري؛ الحياة الدنيا؛ التقدّم.
- الطور الأخير: هيمنة الكمّ؛ الروحانية المنكوسة.
- الجذور الوسيطة المنحلّة: الأمّة المسيحية؛ البابوية والإمبراطورية؛ التراتب الوظيفي.
- الموقع الدوري: «الغرب = نقطة غروب الشمس» في الرمزية الصينية؛ نهاية كَالي يُوكا.
- شرط العودة: تفاهم لا اندماج مع الشرق؛ الصفوة العرفانية.
- الكتب المرجعيّة: شرق وغرب؛ أزمة العالم الحديث؛ التصوف الإسلامي المقارن؛ هيمنة الكمّ.