في جملة واحدة

الشرق عند غينون ليس مجرّد جهةٍ جغرافية شرقَ أوروبا؛ هو الاسم الذي أطلقه على الأمم التي لم يَنقطع فيها التراث الروحي، ومنها الإسلام والهند والصين وإنْ اختلفت صورها.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «شرق وغرب» و«أزمة العالم الحديث»، بصياغة المحرّر.

يَضع غينون الشرق في مقابل الغرب على ثلاثة أوجه:

  1. وجه المبدأ: الشرق يَحفظ أنّ المعرفة الأعلى مصدرُها فوق بشري (وحيٌ، كشفٌ، عرفانٌ)، والغرب الحديث يَحصر المعرفة في العقل الفردي والتجربة الحسّية.
  2. وجه المؤسّسة: الشرق يَحفظ المؤسّسات التي تَحمل التراث (الطريقة، الحضرة، المدرسة العرفانية، السلطة الروحية)، والغرب الحديث فَكّكها جميعًا أو حوّلها إلى مؤسّسات ثقافية.
  3. وجه الحياة اليومية: الشرق ما زالت حياته مبنيّةً على مقام الدين ووقت الصلاة ومواقيت الحجّ والصيام والسَنَة التراثية؛ الغرب الحديث بَنى حياته على مقياس الإنتاج والسوق والساعة البيولوجية.

«الشرق الحقيقي» مقابل الشرق الجغرافي

ينبّه غينون على أمرٍ دقيق: بعض مناطق آسيا أصابتها الحداثة حتى صارت في الأساس «غربية»، رغم موقعها الجغرافي. ومقابل ذلك، هناك في كلّ جهةٍ بقايا صفوة تراثية تَحمل المبدأ. ولذلك يَستخدم غينون تعبيرًا خاصًّا: «الشرق الحقيقي» (l’Orient véritable)، للتمييز عن الجغرافيا.

هذا التمييز مهمٌّ لِسببَين: أوّلًا، يَمنع الخلط بين جهةٍ وبين مبدإ؛ ثانيًا، يَفتح باب الأمل: لأنّ الشرق ليس مكانًا يَختفي إذا اختفى، بل مبدأ يُمكن أن يُستعاد حتى في الغرب نفسه، إذا وُجدت صفوةٌ تَحمله.

معنى ذلك للغرب

  • لا يُمكن للغرب أن يُصلح نفسه إلا بالاقتراب من الشرق.
  • لكنّ الاقتراب ليس «استيراد الاستشراق» ولا «دراسة الشرق»؛ إنّما هو استعادة المبدأ الذي فُقد.
  • ولا يُصلح الغرب نفسه بوجود «يوغا» في باريس أو «بوذية» في نيويورك؛ هذا عكس المطلوب. المطلوب استعادة تراثٍ غربيّ حيّ، أو قبولُ تراث روحيٍّ شرقيّ على ما هو عليه.

شواهد من غينون

“الحضارة الغربية خالية من الطابع المشترك المـمـيّز للحضارات الشرقية، وهو طابع الحضارة التراثية.” (أزمة العالم الحديث، الفصل الثاني: التعارض بين الشرق والغرب)

“أمّـا الشرق الحقيقي، الوحيد الجدير حقا بهذا الاسم، فهو على الدوام الشرق التراثي.” (شرق وغرب، الملحق)

“والذي ينبغي عدم نسيانه، هو أنّ الحضارة الإسلامية، في كل عناصرها الجوهرية، حضارة تراث روحي بكل دقة، كما هو شأن كل الحضارات الشرقية.” (شرق وغرب، الباب الثاني: الاتفاق على المبادئ)

“ينبغي إذن أنْ نرى موقفهم هذا كنتيجة لكبرياء الغربيين وإعجابهم بأنفسهم, وهي العيوب التي تمنعهم من الاعتراف بحقيقة وأهميّة ما هم مدينون به للشرق.” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الأول)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“ولا نجاة للغرب من دوّامة الخواء الرّوحي الذي يهوي به إلاَّ بالاقتراب من التعاليم الربانية التي لا تزال حيّة في الشرق.” (أزمة العالم الحديث، تقديم المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَستقرّ الشيخ على فكرة الشرق بوصفه الجهة التي فيها النجاة للغرب نفسه، ويَصف ذلك بلغةٍ صوفيّةٍ مباشرة:

قلم المحرّر تعبيرُ «دوّامة الخواء الرّوحي» هنا ذو أثر قرآنيّ واضح: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. الشيخ لا يَرى الغربَ جهةً أضعفَ في العلم، بل جهةً أفقرَ في الذكر. والشرقُ، في هذا التحليل، ليس جهةً تَملك أكثر، بل جهةً تَذكر الله أكثر. هذا الإدخال للقرآن في تحليل غينون هو ما يُميّز قراءة الشيخ للنصّ الفرنسي.

مثال يقرّب المعنى

تخيّل مدينتَين بجوار بعضهما البعض:

  • المدينة الأولى: فيها المسجد مركزَها، وصلاة الجمعة تُعَطِّل الأسواق، والناس يُعظّمون العالم والصوفي، ويَرَوْن في البركة حقيقةً لا خرافة، ويَذْكرون الله عند كلّ شأن.
  • المدينة الثانية: فيها البنك مركزَها، ودوام العمل يُحدّد اليوم، والناس يُعظّمون الموظّف الناجح ورجل المال، ويَرَوْن في «الحظّ» وحدَه سببًا، ويَذْكرون أسعار البورصة عند كلّ شأن.

المدينتان قد تَكونان في نفس البلد، بنفس اللغة، بنفس العِرق. ومع ذلك، الأولى عند غينون شرقية، والثانية غربيّة. ليس الفرق في المكان، بل في أيّ مبدإ يَحكمها: أَمبدأ روحيٌّ متّصلٌ بأصلٍ فوق بشري، أم مبدأ مادّيٌّ منبثقٌ من الفردانية الحديثة؟

ولذلك ينبّه غينون: كلّ مكانٍ فيه حضارةٌ تراثيّةٌ حيّة فهو من «الشرق» بمعناه؛ والقاهرة والجزائر وحضرموت ومكّة وبنارس هي من الشرق أكثر من بعض الجهات الجغرافيّة «الآسيوية».

صلات