في جملة واحدة
الكيف هو ما يَجعل الشيءَ هو هو: نوعُه، ومرتبتُه، ومعناه. وعند غينون هو القطب الأعلى في الوجود؛ ما إن يَزُل حتى لا يبقى إلا الكمّ الصَّرف.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في «هيمنة الكمّ» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، بصياغة المحرّر.
في تصوّر غينون، للوجود قطبان:
- القطب الفاعل، ويسمّيه أيضًا «الجوهر» بالمعنى الأرسطيّ العرفاني: من جهته تأتي الصور والمعاني والمراتب. هذا هو جانب الكيف.
- القطب المنفعل: قاعدة الوجود الجسماني التي لا تمايز فيها بذاتها. هذا هو جانب الكمّ.
كلّ شيءٍ ظاهرٍ هو مُزيج من القطبين. كلّما ارتقى الشيء إلى المبدأ، غلب فيه الكيف. وكلّما هبط إلى الطرف الأدنى، غلب فيه الكمّ. ولا يوجد كيفٌ محضٌ في عالم الظهور، كما لا يوجد كمٌّ محضٌ: كلاهما حدٌّ لا يُدركه الموجود الفعليّ، ولكنّه يميل إلى أحدهما.
والعصر الحديث، عند غينون، هو العصر الذي يتمّ فيه نزع الكيف شيئًا فشيئًا عن المعرفة والحضارة والإنسان، حتى يصير الظاهر من العالم كمًّا صرفًا. ولذلك فالكيف ليس ترفًا أدبيًّا ولا مجرّد «صفةٍ ذوقية»، بل هو الأثَر المبدئي في الأشياء. وبدون الكيف، تَفقِد الحضارة معناها، ويفقد العلم العرفاني موضوعه، ويصير الإنسان الكامل فكرةً لا معنى لها.
شواهد من غينون
“فبيْنما الكثرة المبدئية مدرجة في الوحدة الميتافيزيقية الحقيقية، فإنّ “الوحدات” الحسابية أو الكَمِّية هي بالعكس مشمولة في الكثرة الأخرى التي هي في الأسفل.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“النقطة الأسفل تَكْتَسِي مظهر الكمية الصّرْفة، الخالية من كل تمايز كيفي.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“الهبوط الذي ذكرناه يجرى من الكيف المحض نحو الكم الصّرف.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“ومن بين الخطوط المميّزة للذّهنية الحديثة، سنأخذ هنا في البداية، كنقطة مركزية لدراستنا، الاتجاه نحو حصر الكل في زاوية النظر الكمّية فقط.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“ومن هذين المبدأين الكليين تتفرّع ثنائيات كثيرة مثل (إطلاق / تقييد) (ذات / صفات) (وحدة / كثرة) (بطون / ظهور) (كيف / كمّ) (جوهر / عرض) (روح / مادة) (جمع / فرق) (هويّة / إنيّة) (ذكر / أنثى) (سماء / أرض)…” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعليق المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يَرِد الزوج عند الشيخ ضمن عائلةٍ موسّعة من الثنائيات الميتافيزيقية، ما يُفيد القارئ العربيّ أنّ الكيف عند غينون يوازي «الصفات» و«البطون» و«الروح» و«الجمع» في المصطلح العرفاني الإسلامي:
وبهذا يتّضح أنّ الكيف عند غينون ليس مصطلحًا أوروبيًّا مبتكرًا، بل هو اسمٌ لجهةٍ معروفةٍ في المصطلح الأكبريّ: جهة الصفات الإلهيّة التي بها تظهر الأعيان، وجهة الروح التي تُميِّز الكائن عن سائر ما هو على وزنه في المادّة.
مثال يقرّب المعنى
هذا المثال من تأليف المحرّر لتقريب المعنى قبل الشرح الميتافيزيقي.
ضَعْ أمامك شيئين متساويَين في الكمّ، مختلفَين في الكيف:
- كيلو من الذهب، وكيلو من الحصى. الوزن واحد، والقيمة مختلفة اختلافًا لا يُقاس بالوزن.
- كتابٌ من ألف صفحةٍ في الحكمة، وكتابٌ من ألف صفحةٍ في الدعاية. العدد واحد، والمرتبة مختلفة.
- إنسانٌ عارفٌ بالله، وإنسانٌ غافلٌ عنه. كلاهما إنسانٌ واحدٌ في العَدّ، وبينهما في الحقيقة ما بين السماء والأرض.
الفرق في كلّ هذه الأمثلة هو «الكيف». وحين يزعم العصر الحديث أنّ المكيال الكمّي كافٍ، فهو في الحقيقة يَنْفي وجود هذا الفرق. وذلك عند غينون هو أخطر ما في الحداثة.
صلات
- القطب المقابل: الكمّ؛ القاعدة السفلية.
- القوس الجامع: الكمّ والكيف؛ الزوج مقروءًا معًا.
- الطور الذي يُفقَد فيه: هيمنة الكمّ.
- الأرضية الميتافيزيقية: تعدّد مراتب الوجود؛ الإمكانية الكلية.
- مجلى الكيف الأعلى: الإنسان الكامل؛ الذي يجمع الصفات كلّها.
- الكتاب المرجع: هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان.
- الأرضية المجرّدة: مراتب الوجود المتعدّدة.