في جملة واحدة
الحقيقة المحمدية هي التعيّن الأول وأوّل مُبدَع: النورُ الجامع الذي يُسمّى في العرفان الإسلاميّ العقل الأول والقلم الأعلى والروح المحمدية، ومنه بَرز العالم وبه يُمَدّ جميع الأنبياء. وهي عند غينون عينُ ما تُسمّيه النصرانيةُ الكلمةَ الإلهية (اللوغوس)، ومقرُّها «قلب العالم».
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ بصياغة المحرّر لموقفٍ يُصرّح به غينون في «نظرات في التربية الروحية» و«التربية والتحقّق الروحي» و«رموز العلم المقدّس»، مستندًا إلى نصوصها.
- أوّل مُبدَع: التراث الإسلاميّ يَنصّ على أنّ أوّل مُبدَع هو النور المخلوق من أمر الله، الصادر مباشرةً بالأمر الإلهيّ. فليست الحقيقة المحمدية شيئًا من العالم، بل المبدأ الذي عنه صَدر العالم.
- النور المحمديّ = الروح المحمدية: العبارتان مُتكافئتان عند غينون، وكلتاهما تَدلّ على الصورة المبدئية الكلّية لـالإنسان الكامل الذي هو «أوّل خلق الله».
- المطابقة مع اللوغوس: يُصرّح غينون بأنّ النور المحمديّ هو الروح بالمعنى الجامع، وأنّ النور الكلّيّ في التراث النصرانيّ يَتطابق مع الكلمة الإلهية ذاتها. فالمطابقة عنده ليست تشبيهًا بل وحدةَ مُسمًّى تحت تعدّد التسميات.
- الأول والآخر: هو «أوّل خلق الله» من جهة حقيقته المبدئية، و«خاتم رسل الله» من جهة ظهوره الأرضيّ. فالأخيرُ في مستوى الظهور هو الأولُ في المستوى المبدئيّ، ومن هنا «سيّد الأوّلين والآخرين».
- قلب العالم: مقرُّها المركز. فهي «الكرة النورانية الأولى» التي هي «قلب العالم»؛ انبساطُها يُحدث ظهور الكائنات، وانقباضُها يَردّها إلى مبدئها. وبهذا تَتّصل بـالمركز الروحيّ والقلب والقطب.
شواهد من غينون
“ولهذا تتكافؤ عبارة “النور المحمدي” مع عبارة “الروح المحمدية”، فكلتاهما تدل على الصورة المبدئية الكلية للـ “إنسان الكامل” الذي هو “أوّل خلق الله"" (نظرات في التربية الروحية)
“في هذا الصدد، نذكّر بأنّ في التراث الإسلامي، النور المحمدي الأصلي الأول هو أيضا الروح، بالمعنى الجامع الكلي لهذه الكلمة؛ ومن المعلوم، في جانب آخر، أنّ النور (الكلي) في التراث المسيحي يتطابق مع الكلمة الإلهية ذاتها” (التربية والتحقّق الروحي)
“الكرة النورانية الخالصة الأولى الأصلية السابقة في الملة الإسلامية هي الروح المحمدية، التي هي كذلك «قلب العالم»” (رموز العلم المقدّس)
“هو في نفس الوقت “أوّل خلق الله” من حيث حقيقته المبدئية أو النور المحمدي، و”خاتم رسل الله” من حيث ظهوره الأرضي، فهو “الأول والآخر” بالنسبة للخلق” (التربية والتحقّق الروحي)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“يقول الشيخ ابن العربي في الباب 14 من “الفتوحات المكية”: [ …وأمّا القطب الواحد فهو روح محمد - صلى الله عليه وسلم-، وهو الممدّ لجميع الأنبياء إلى يوم القيامة” (السلطة الروحية والحكم الزمني، حاشية المترجم)
“العقل الأوّل الكلـّي هو في العرفان الإسلامي أحد المظاهر العليا للحقيقة المحمدية” (السلطة الروحية والحكم الزمني، حاشية المترجم)
“فالمرتبة الأولى للعقل الأوّل (وهو القلم الأعلى) والثانية للنفس الكلية (اللوح المحفوظ) والثالثة للطبيعة” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، حاشية المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
قلم المحرّر هذه الصفحة موضعُ الاختبار الأصعب في الموسوعة كلّها. فالقارئ المسلم قد يَقبل أن يُقارَن «القطب» بـ«محور العالم»، لكنّه يَتوقّف حين يُقال إنّ الحقيقة المحمدية تُقابل «اللوغوس» النصرانيّ. والجواب أنّ غينون نفسه هو الذي عَقد المطابقة، لا المترجم ولا المحرّر؛ وأنّها مطابقةٌ في الوظيفة الميتافيزيقية لا في العقيدة: كلاهما اسمٌ لأوّل التعيّنات الذي به كان الخلق.
ويَزيد الشيخ مفتاح البناءَ إحكامًا حين يَربطها بترتيب المراتب: العقل الأول (القلم الأعلى) ثمّ النفس الكلّية (اللوح المحفوظ) ثمّ الطبيعة؛ فتَصير الحقيقة المحمدية رأسَ سلسلةٍ معلومة في المعجم الأكبريّ، لا لفظًا عائمًا. ويَنقل عن الفتوحات (الباب ١٤) أنّ القطب الواحد هو روح محمد ﷺ المُمِدّ لجميع الأنبياء، فيَظهر أنّ ما يُسمّيه غينون «المركز» له في الإسلام اسمٌ وصاحبٌ معلوم.
وبهذا تَجتمع خيوط الموسوعة كلُّها في هذه الصفحة: الكلمة من جهة التسمية، والإنسان الكامل من جهة الصورة، والقطب من جهة الوظيفة، والمركز من جهة الموضع.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل الشمسَ ونورَها:
- النورُ الذي في الغرفة، والذي على الجدار، والذي في الماء: كثيرٌ في المواضع.
- وهو في مصدره واحد: شعاعٌ أوّل لم يَتفرّق بعدُ على الأشياء.
- وكلُّ ضوءٍ تَراه في أيّ موضع، فهو مَدَدٌ من ذلك الأصل، لا من نفسه.
كذلك أنوار الأنبياء عليهم السلام: كثيرةٌ في مظاهرها، وأصلُها واحد. وهذا معنى قولهم إنّ الروح المحمديّ مُمِدٌّ لجميع الأنبياء: لا أنّهم فروعٌ لشخصٍ تاريخيّ، بل أنّ نورَهم كلَّهم من حقيقةٍ واحدة سابقة على الزمان، ظَهر آخرُها في الزمان وهو أوّلُها في المبدأ. ومن هنا فَهِمتَ كيف يكون «الأوّل والآخر» معًا من غير تناقض.
صلات
- اسمُها في التراثيات الأخرى: الكلمة الإلهية (اللوغوس)؛ ومططرون في القبّالة.
- صورتُها: الإنسان الكامل.
- وظيفتُها: القطب (المُمِدّ لجميع الأنبياء)؛ المركز الروحي؛ القلب (قلب العالم).
- موضعها من المراتب: الهباء والقلم واللوح؛ النفس الكلية؛ الأعيان الثابتة؛ العماء.
- المرجع الأكبريّ: الفتوحات المكية (الباب ١٤)؛ ابن عربي؛ الجيلي.