في جملة واحدة

الكلمة الإلهية (اللوغوس) مفهومٌ محوريّ في «مقالات في العرفان المقارن»: هي المبدأ المتجلّي الذي «يَترجم» نفسه في الخلق كما تَترجم الفكرة نفسها في أشكالٍ تَستّرها وتُظهرها معًا. هي «الكلمة الأزلية» و«أب الدورات»؛ وتجلّيها في مركز الكون هو معنى «الأفاتارا» السنسكريتيّ والمسيح-بوصفه-مبدأً. وعند غينون: الوحي الأصليّ انبثق من الكلمة كما انبثق الخلق.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في مقالاته المجموعة في «مقالات في العرفان المقارن»، بصياغة المحرّر، مستندًا إلى نصوصها.

يَبني غينون مفهوم الكلمة على أربع نقاط:

  1. الكلمة تَترجم نفسها في الخلق: كما أنّ الفكرة تَتجلّى في أشكالٍ تَستّرها وتُظهرها في آنٍ واحد، كذلك الكلمة الإلهية تَترجم نفسها في الخلق. فالخلق «كلامٌ» إلهيّ، والكائنات حروفُه؛ ولهذا لم يَعد ثمّة فرقٌ حاسم بين «الكلام» و«الرمز» في هذا المقام: كلاهما إظهارٌ لمعنًى مستتر.
  2. الوحي والخلق سيرورتان متماثلتان: الوحي الأصليّ الأول انبثق من الكلمة الإلهية كما انبثقت عملية الخلق؛ فهو يَندرج في رموزٍ توارثتها الأجيال منذ أصول الإنسانية. فالوحي «كلمةٌ» مقروءة كما أنّ الخلق «كلمةٌ» مَخلوقة — مصدرُهما واحد.
  3. الكلمة الأزلية = أب الدورات: هي «الكلمة الإلهية الأزلية» (Verbe éternel) التي تُسمّيها الكتب المقدّسة «القديم الأيّام» و**«أب الدهور»** أو «أب الدورات الوجودية» (وهو المعنى الحرفيّ لكلمة sæculum اللاتينية). فالكلمة فوق الزمان، ومنها تَتدفّق الدورات.
  4. تجلّيها في المركز = الأفاتارا والمسيح-مبدأً: تجلّي الكلمة في العالم «تنزّلٌ» إلهيّ، وهو المعنى الدقيق لكلمة «أفاتارا» السنسكريتية (كلّ ظهورٍ إلهيّ). ويَتعلّق بالمسيح بوصفه مبدأً — أي بالكلمة المتجلّية في مركز الكون — لا بالشخص التاريخيّ وحده. فاللوغوس عند غينون بنيةٌ ميتافيزيقية تَتكرّر في التراثيات: الكلمة في النصرانية، والأفاتارا في الهندوسية، وما يُقابلهما في سائر المِلل.

شواهد من غينون

“الكلمة الإلهية، كما ذكرنا، تترْجَم في الخلق؛ وهذا، مع اعتبار الفارق، مماثل قياسيّا للفكرة التي تترْجَم في أشكال تستّرها وظهورها في نفس الآن.” — (مقالات في العرفان المقارن)

“والوحي الأصلي الأوّل، المنبثق كعمليّة الخلق من الكلمة الإلهية، يندرج هو أيضا في رموز توارثتها أجيال جيلا تلو جيل منذ الأصول الأولى للإنسانية.” — (مقالات في العرفان المقارن)

“إنه «الكلمة الإلهية الأزلية» (Verbe éternel) الذي تشير إليه الكتب المقدّسة باسم «القديم الأيّام»، و«أب الدهور» أو «أب الدورات الوجودية».” — (مقالات في العرفان المقارن)

“إنه يتعلق بالمسيح بوصفه مبدأً، أي بالكلمة الإلهية المتجليّة في مركز الكون.” — (مقالات في العرفان المقارن)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر موقع الكلمة الإلهية في معجم الموسوعة أنها حلقة الوصل بين الخلق والوحي والرمز: فإذا كان الخلق «كلامًا» إلهيًّا، والوحي «كلمةً» مقروءة، والرموز حروفَ هذه الكلمة، فإنّ كلّ معجم الموسوعة الرمزيّ يَرجع إلى هذا الأصل.

ويَلتقط القارئ المسلم هنا معجمًا قرآنيًّا صريحًا: فالخلق بـ**«كن فيكون»** — كلمةٌ تُترجم في وجود؛ وعيسى عليه السلام «كلمته ألقاها إلى مريم» (النساء:١٧١)؛ والكلماتُ الإلهية لا نفاد لها: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ (الكهف:١٠٩). فما يُسمّيه غينون «اللوغوس» يَجد القارئ نظيرَه في «الكلمة» القرآنية و«الحقيقة المحمدية» التي هي أوّل التعيّنات، وفي علم الحروف الذي يَقرأ الوجود حروفًا للكلمة الإلهية. ولهذا حَرص الشيخ مفتاح على ترجمة «Verbe» بـ«الكلمة» لا بـ«العقل»، صونًا للدلالة الوحيانية القرآنية.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل مؤلِّفًا وكتابَه:

  • في ذهن المؤلِّف فكرةٌ واحدة جامعة، لا تُرى.
  • فإذا كَتبها صارت كلماتٍ وحروفًا على الورق: هي الفكرةُ نفسُها، لكنها الآن متجلّيةٌ في صورٍ تَستّرها (إذ ليست الفكرةَ المجرّدة) وتُظهرها (إذ تَدلّ عليها) معًا.
  • وكلُّ حرفٍ في الكتاب ليس شيئًا مستقلًّا، بل تعبيرٌ عن الفكرة الواحدة.

كذلك الكون عند غينون: الكلمة الإلهية فكرةٌ مبدِعة، والكائنات حروفُها المتجلّية؛ كلُّ كائنٍ «كلمةٌ» تَدلّ على المبدأ وتَستّره معًا. ومن قَرأ الكون هكذا رأى كلَّ شيءٍ حرفًا في كلمةٍ واحدة، مصدرُها وغايتُها المركز الذي منه تَجلّت الكلمة.

صلات