في جملة واحدة
العماء هو رمزُ البطون الذاتي والغيب المطلق قبل استقطاب الوجود وتعيّنه؛ ويتجلى في مستويين متناظرين شاقولياً: العماء الأعلى (الظلمات العلوية التي هي فوق النور الظاهر)، والعماء الأسفل (الفوضى/Chao الممثلة للاتميّز المادي والكمون المحض في أسفل مراتب التجلّي).
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون في فصول متفرقة من «هيمنة الكم»، و«التربية والتحقق الروحي»، بصياغة المحرّر.
يضبط غينون رمزية العماء (أو الفوضى الأصلية Chao) بالتفرقة الحاسمة بين دلالتين متناظرتين بالتعاكس:
- الظلمات العلوية (العماء الأعلى): ترمز للغيب المطلق والبطون الميتافيزيقي، وهو “النور الذي يفوق كل نور”، حيث ترجع الكثرة الوجودية إلى أحدية المبدأ غير المتعين. لا تمثيل شكلي لها، وتُسمّى بالظلمة لعدم قدرة الأبصار الوجودية على إدراكها.
- الظلمات السفلية (العماء الأسفل/Chao): ترمز إلى اللاتميّز المادي والكمون المحض في القطب المقابل للوجود (الهيولى الأولى أو المادة الهيولانية بلا شكل). وهي فوضى الإمكانيات قبل تفعيلها ومرورها من القوة إلى الفعل.
- أولية الخلق والترتيب: تشكيل الكون (Cosmos) يعني هندسياً وميتافيزيقياً خروج “الترتيب” والتميز من “العماء/الفوضى”؛ ويتمثل هذا الإيجاد بـ”انبثاق النور” (Fiat lux / كن فيكون)، الذي ينير العماء الأصلي ويخط فيه صليب الأبعاد الشاقولية والعمودية لتحديد مراتب التجلّي.
- التحوّل الروحي في الظلمة: التربية الروحية لـ”العالم الأصغر” (المريد) تحاكي نشأة “العالم الأكبر”؛ فدخول المريد في طريق السلوك وبداية ولادته الثانية يقتضي مروره بـ”الظلمة” (عالم العوام الغافل واللاتميّز الهيولاني لإمكانياته) حتى يتلقى النور العرفاني الذي يُرتّب إمكانياته الباطنة.
- المحاكاة الشيطانية: ذوبان الأفراد في “الكتلة البشرية” المطردة والكم الصرف في العصر الحديث يُمثل “تلاشياً” في العماء الأسفل (التحلل المادي). وهو محاكاة شيطانية مقلوبة لـ”فناء” العارفين في الأحدية العرفانية (العماء الأعلى).
شواهد من غينون
“يتم إيجاد هذا «الترتيب» انطلاقا من «العماء»… وهذا الإيجاد تمثله كل المذاهب التراثية العرفانية بـ«تجلّي النور»… كما أنّ «العماء» يتطابق رمزيّا مع «الظلمات»: وهي عبارة عن الكمون الذي سَيَبْرُزُ منه الظهور، أي إجمالا: هي عبارة عن الجانب الجوهري المنفعل من العالم، وهو الموصوف بالقطب الظلماني للوجود…” — (هيمنة الكم، الفصل الثالث)
“«السّواد الأشد سوادا من السواد»… هو بالتأكيد ظلمة العماء الأسفل… لكن بمقتضى وصفه هذا… هو رمز سوي للـ«ظلمات العلوية»… فكذلك هذه «الظلمات العلوية» هي في الحقيقة النور الذي يفوق كل نور، أي أنّه من وراء كل ظهور وكل حدوث…” — (التربية والتحقق الروحي، الفصل الخامس)
“…الظلمات، في دلالتها العلوية، تمثل البطون أو الغيب… والمعنى السفلي في الحقيقة يمثل بحصر المعنى «العماء الأسفل»، أي حالة اللاتنوع أو اللاتميز التي هي عند نقطة انطلاق مجلى الظهور… هو كالانعكاس للاتميّز المبدئي للبطون الغيبي.” — (التربية والتحقق الروحي، الفصل السادس)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
قلم المحرّر يربط الشيخ مفتاح هذا الاصطلاح المزدوج بأدق أركان العقيدة الصوفية والمعجم الأكبري:
- المرجع النبوي التأسيسي: يستند المعجم الصوفي للعماء إلى الحديث الشريف الشهير: سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم: «أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق؟» فأجابه: «كان في عَمَاء، ما فوقه هواء وما تحته هواء» (رواه الترمذي).
- العماء عند ابن عربي ونفس الرحمن: يوضح الشيخ مفتاح أن العماء عند الشيخ الأكبر هو «الجوهر الثابت» للوجود بأسره، وهو نفسُه «نَفَسُ الرحمن» الذي ظهرت فيه صور الأكوان والممكنات كظهور الصور في المرآة. الوجود المطلق هو الحق، والجوهر الثابت الحامل للصور هو العماء، والصور المتقبلة هي الممكنات.
- التفريق بين العماء والهباء:
يُحرر الشيخ في كتابه “الحقائق الوجودية الكبرى” الفرق بين المقامين:
- العماء: يُمثّل مرتبة الأحدية أو التعيّن الأول وهو أصل الأرواح النورية المهيّمة.
- الهباء: مظهر خلقي نازل (هيولى ثانية) يتقبل الصور الجسمانية والمادية، وهو انعكاس سفلي للعماء العلوي.
- أول التعينات الإلهية: في صلوات العارفين (ومنها صلاة ابن عربي): المسيح أو الروح المحمدي هو «أول التعينات المفاضة من العماء الرباني، وآخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني»؛ فالكلمة الإلهية انفتقت من حضرة العماء الذاتي طالعة من كِنّ الغيب إلى الشهادة.
مثال يقرّب المعنى
تأمل لوحةً بيضاء قبل أن يُرسم عليها:
- في مرتبة الإمكان (العماء الأعلى): هي اللوحة الفارغة الخالية من الصور، تمثل قدرة الرسام الكامنة ومجموع كل لوحة ممكنة الوجود؛ لا حدّ فيها ولا صورة.
- لحظة الرسم (كن فيكون): يضع الرسام الخط الأول بالألوان؛ هذا الخط (النور) هو الذي يقسم اللوحة ويحدد الأبعاد.
- الخطوط المتروكة في فوضى (العماء الأسفل): لو سكب الرسام الألوان عشوائياً واختلطت تماماً دون تمييز أو ترتيب، لعادت اللوحة إلى فوضى داكنة من اللاتمايز.
اللوحة قبل الرسم = العماء الأعلى (البطون)؛ الألوان المسكوبة بلا نظام = العماء الأسفل (التحلل)؛ الرسم المرتب = الكون (الظهور).
صلات
- القطب المقابل الفاعل: الكلمة الإلهية (التي انفتقت من العماء)؛ الإنسان الكامل.
- مبدأ التعيّن: الأعيان الثابتة (التي هي شؤون الذات في العماء)؛ الإمكانية الكلية.
- المطابق المادي السفلي: الهيولى والمادة الأولى؛ والهباء الصوفي.
- التمايز الهندوسي: براكريتي (القطب المنفعل الظلماني كعماء أسفل)؛ وبوروشا كفاعل.
- الرموز البنائية: الترتيب الكوني من الفوضى (Ordo ab chao)؛ والتنوير الروحي (Fiat lux).
- الكتاب المرجع: هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان؛ والتربية والتحقّق الروحي.