في جملة واحدة

عبد الكريم الجيلي (٧٦٧-٨٢٦هـ) هو أبرز شُرّاح المدرسة الأكبرية بعد ابن عربي، وصاحب الكتاب الأشهر في بابه: «الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل». في هذه الموسوعة هو المرجع الأكبري الثاني: الاسم الذي يَستحضره الشيخ مفتاح في تعليقاته على غينون أكثر من أيّ شارحٍ آخر، لِيَضبط به معجم الإنسان الكامل ومراتب الوجود الذي تَقوم عليه ميتافيزيقا غينون.

التعريف والترجمة

سيرةٌ موجزة جُمعت من مصادر تعريفية منشورة (انظر «مصادر السيرة» في آخر القسم)، مع ما ورد في تعليقات الشيخ مفتاح نفسها.

هو عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، نسبةً إلى جيلان؛ وُلد سنة ٧٦٧هـ / ١٣٦٥م قُرب المدائن بالعراق، ويُذكر أنّ من أصوله الشيخ عبد القادر الجيلاني. وأقام واشتهر في اليمن، وله رحلة إلى الهند أشار إليها الشيخ مفتاح في تعليقاته. توفّي نحو سنة ٨٢٦هـ / ١٤٢٤م.

أَلّف في العرفان الأكبري كتبًا، أشهرها مُطلقًا:

  • «الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل»: تحريرُه الجامع لِمذهب ابن عربي في الإنسان الكامل، حيث جَمع في كتابٍ واحدٍ ما تَفرّق في أبواب «الفتوحات»، فصار المرجع المتداوَل في هذا الباب.
  • «مراتب الوجود»: قَسّم فيه الوجود إلى أربعين مرتبة، وهو من أدقّ ما كُتب في تَرتيب الحضرات الوجودية.
  • وله قصيدةٌ ذاتيةٌ مشهورة: «النادرات العينية» يَسرد فيها سيرته وسلوكه.

وقد وَصفه بعض الباحثين المعاصرين بـ«فيلسوف الصوفية» لِعُمق نظره في الإنسان الكامل ومراتب التجلّي.

الموضع في الموسوعة

ليس الجيلي حاضرًا في متن غينون الفرنسي مباشرةً، بل يَدخل الموسوعة من طبقة الشرح: فالشيخ مفتاح يَستعمله — بعد ابن عربي — مَرجعًا أوّلَ لِضبط المصطلح الأكبري الذي يُترجِم به غينون. ولذلك يَتكرّر اسمه في تعقيبات الشيخ عبر أكثر كتب الموسوعة:

  • في الإنسان الكامل: كتابه هو المصدر الجامع للمفهوم؛ ومنه يُستمدّ المعجم الذي يَقرأ به الشيخ «رموز الإنسان الكامل» لغينون.
  • في مراتب الوجود: تقسيمه الأربعينيّ مرجعٌ صريح في تعقيبات «مراتب الوجود المتعدّدة».
  • في «الحقيقة المحمدية» والقلم الأعلى والعقل الأول: يَنقل الشيخ نصوصه في تجلّيات الأفعال والأسماء والصفات والذات.
  • في الإنسان الحقيقي والمتعالي (الموازاة الصينية): يُقابِل الشيخ مقامات الجيلي بمقامات «الثلاثية العظمى».

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“ومن أهم الكتب في هذا الموضوع: كتاب «الإنسان الكامل»، وكتاب «مراتب الوجود» للشيخ عبد الكريم الجيلي” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعقيب المترجم)

“وهناك أيضا من يقسّم الوجود إلى أربعين مرتبة كما بيّنها الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه الآنف ذكره: «مراتب الوجود»” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعقيب المترجم)

“يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي… وهو في الإنسان الكامل، وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق، من كتابه «الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل»” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعقيب المترجم)

“مع العلم أنّ الجيلي وهو يمني قد ساح في الهند” (دراسات حول المذاهب الهندوسية، تقديم المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

موقع الجيلي عند الشيخ مفتاح هو موقع الشارح الذي صار مَتنًا. فإنّ ابن عربي بَثّ مذهبه في «الإنسان الكامل» مُتفرّقًا في مئات الأبواب من «الفتوحات»؛ فجاء الجيلي فجَمع هذا الباب في كتابٍ مستقلّ مُرتَّب، حتى صار اسم كتابه («الإنسان الكامل») هو الاسم المتداوَل للمفهوم نفسه في التصوّف اللاحق.

ومن هنا حاجة الشيخ مفتاح إليه: حين يُترجم لغينون كتابًا عنوانه «رموز الإنسان الكامل»، فهو يَحتاج إلى معجمٍ عربيٍّ مضبوطٍ لهذا المفهوم — والجيلي هو صاحب هذا المعجم. فالجيلي عند الشيخ هو حلقة الوصل بين اصطلاح ابن عربي الأصلي وبين قارئ غينون المعاصر.

وفي عنوان كتابه إشارةٌ قرآنية: «معرفة الأواخر والأوائل» تَلتقي بقوله تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد:٣)؛ فالإنسان الكامل عند الجيلي هو المظهر الجامع لهذه الأسماء، وهو عينه ما يُسمّيه غينون «الكائن الكلّي». والشيخ مفتاح يَلتقط هذا التطابق فيَجعل الجيلي شاهدًا على أنّ ميتافيزيقا غينون «الرمزية» ليست غريبةً عن الإسلام، بل لها مَتنٌ أكبريٌّ صريح.

مثل يقرّب المعنى

تأمّل الفرق بين بحرٍ وخريطةٍ للبحر:

  • ابن عربي كالبحر: «الفتوحات المكية» محيطٌ هائل، فيه كلّ شيء، لكنّه مَبثوثٌ غير مُرتَّب على باب «الإنسان الكامل» وحده.
  • الجيلي رَسَم الخريطة: أخذ هذا الباب بعينه، فجمعه ورتّبه في كتابٍ واحدٍ سَمّاه «الإنسان الكامل»، ومرتبةً مرتبةً في «مراتب الوجود» (أربعين مرتبة).

فحين يَأتي غينون بعد قرون ويَكتب عن «الإنسان الكامل» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، يَجد الشيخ مفتاح الخريطة جاهزةً عند الجيلي، فيَقرأ بها الفرنسيّ. ولهذا كلّما ذكر غينون مرتبةً من مراتب الوجود أو وجهًا من وجوه الكائن الكامل، أحال الشيخ إلى الجيلي — لا لأنّ غينون نَقل عنه، بل لأنّ الاصطلاح الذي يُترجَم به غينون اصطلاحُ الجيلي.

صلات

مصادر السيرة: مادة «عبد الكريم الجيلي» في ويكيبيديا العربية، وتعريفٌ في موقع «أعلام الصوفية»؛ وما يتعلّق برحلته إلى الهند ووصفه باليمنيّ من تقديم الشيخ مفتاح لـ«دراسات حول المذاهب الهندوسية».