في جملة واحدة
المحيط هو مجال الظهور والكثرة والحوادث، أما المركز فهو المبدأ غير الظاهر الذي لا يقع في مكان، ومع ذلك يعطي كل ما في المحيط حقيقته. لذلك لا يقال عند غينون إن المركز موجود “في كل مكان” كالأشياء، بل إنّ كل مكان يستمد معناه من مركز لا يخضع للمكان.
الشرح الميتافيزيقي
يختم غينون كتاب رموز الإنسان الكامل بتصحيح صيغة مشهورة عن الفضاء: ليست الحقيقة الميتافيزيقية كرةً مركزها في كل مكان ومحيطها لا مكان، بل ينبغي قلب النسبة. المحيط، بما هو مجال الظهور، هو الموجود في كل مكان؛ أما المركز فلا يقع في أي مكان لأنه ليس شيئًا ظاهرًا بين الأشياء.
هذا القلب مهم لأنه يحمي الرمز من سوء الفهم. المركز ليس نقطة حسية داخل الفضاء، بل مبدأ الفضاء. والمحيط ليس عدوًا للمركز، بل مظهره الخارجي. كل نقطة من المحيط متعلقة بالمركز بشعاع، وكل كثرة محيطة لا تكون حقيقية إلا بقدر ما ترجع إلى وحدة مركزية.
لذلك يتصل هذا الرمز بكل رموز المركز في الموسوعة: القطب، الصليب، الصليب المعقوف، العجلة الكونية، والمركز الروحي.
شواهد من غينون
“النقطة التي هي قطب الأنموذج، هي المركز الثابت لدائرةٍ تجري على محيطها جميعُ الحوادث، والتميّـُزات والفرديات” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع والعشرون: المركز والمحيط)
“المركز هو الذي- بالمعنى الحصري- لا وجود له في أيّ مكان، لأنه جوهريّا، كما سبق ذكره، «غير متمايز»” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع والعشرون: المركز والمحيط)
“المحيط هو الموجود في كل مكان، إذ أنّ جميع أمكنة الفضاء، أو بعبارة أعم، جميع الأشياء الظاهرة” (رموز الإنسان الكامل، الباب التاسع والعشرون: المركز والمحيط)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يصل الشيخ مفتاح هذا الباب بالنقطة الأصلية الجامعة للحدوث والقدم. فالمركز لا يعني مكانًا ماديًا داخل الكون، بل مقامًا جامعًا تتحد فيه الجهات من غير أن يتأثر هو بانتشارها. ومن هنا تصير رمزية المركز قريبة من لغة التوحيد: الكثرة كلها دائرة، والمبدأ مركزها غير المحصور فيها.
هذه القراءة تجعل المركز والمحيط حلقة وصل بين المركز الروحي بوصفه موضعًا رمزيًا، والنقطة والامتداد بوصفها هندسة ميتافيزيقية.
وتجعلها أيضًا قريبة من لغة ابن عربي في البرزخ والإنسان الكامل: المركز ليس طرفًا يقابل المحيط كما يقابل شيء شيئًا آخر، بل هو ما به تنتظم المقابلات. ومن هنا تفيد الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، إذا قُرئت بلا تجسيم ولا حلول؛ فكل جهة في المحيط لا تستقل بذاتها، بل تستمد قابليتها للدلالة من مبدأ لا تحصره الجهات.
تمييزات لازمة
يصحح هذا الباب ثلاثة اختزالات شائعة:
- الاختزال المكاني: تخيل المركز نقطة مادية داخل الفضاء. عند غينون، المركز مبدأ الفضاء لا شيء من أشيائه.
- الاختزال النفسي: جعل المركز مجرد إحساس داخلي بالهدوء. هذا قد يكون أثرًا تربويًا، لكنه ليس معنى الرمز في نفسه.
- الاختزال الحلولي: القول بأن المركز موجود في كل مكان بالطريقة نفسها التي توجد بها الأشياء. غينون يقلب العبارة: المحيط هو الموجود في كل مكان من جهة الظهور، أما المركز فلا يوجد في مكان لأنه غير متمايز.
بهذا التصحيح تتضح علاقة الصفحة بـالظاهر والباطن: المحيط ظاهر لأنه مجال الصور، والمركز باطن لأنه أصل انتظامها. ولا يعني الباطن غيابًا عدميًا، بل حضورًا مبدئيًا لا يحيط به القياس المكاني.
مثال يقرّب المعنى
في العجلة، الإطار الخارجي يقطع المسافة كلها، أما المحور فيبدو ساكنًا. ومع ذلك لا حركة للإطار إلا بالمحور. فإن تعطّل المركز، لم يبق للمحيط نظام.
هكذا رمزية المركز والمحيط: الظاهر يتحرك، والباطن يثبّت. المحيط كثير، والمركز واحد. والمحيط مرئي، والمركز من حيث معناه الميتافيزيقي لا يُرى كشيء من الأشياء.
ولهذا يصبح المركز والمحيط خاتمة مناسبة لكتاب الصليب: الصليب يبين المحاور، والنقطة تبين أصل الامتداد، والنسيج يبين تقاطع المراتب، أما المركز والمحيط فيبينان لماذا لا تكون الكثرة الأخيرة انفصالًا عن الوحدة الأولى.
صلات
- الرموز القريبة: النقطة والامتداد؛ الصليب؛ الصليب المعقوف؛ العجلة الكونية.
- المواضع والمفاهيم: المركز الروحي؛ القطب؛ الإنسان الكامل.
- الكتاب المرجع: رموز الإنسان الكامل (الباب ٢٩).