في جملة واحدة

حرف نون عند غينون رمزٌ للعبور من طور إلى طور: نصف دائرة كالسفينة أو الحوت أو الرحم، وفيها نقطة هي بذرة الخلود المحفوظة في المركز. لذلك يتصل بيونس ذي النون، وسفينة نوح، والحوت المنقذ، والولادة الثانية.

الشرح الميتافيزيقي

يفرد غينون الباب الخامس عشر من التصوف الإسلامي المقارن لأسرار حرف نون، وهو أيضا من مقالات رموز العلم المقدس. قيمة الباب أنه يعلّم القارئ كيف يعمل علم الحروف في رمز واحد.

  1. المرتبة والعدد: للنون في العربية والعبرية المرتبة الرابعة عشرة والقيمة ٥٠. لكنها في العربية أشد تميزا لأنها تختم النصف الأول من أبجدية من ٢٨ حرفا.

  2. الحوت والمنقذ: نون تعني الحوت، ومن هنا تسمية يونس عليه السلام “ذا النون”. الحوت قد يكون رمزا للخطر والابتلاع، لكنه في قصة يونس يصير كهفا وسفينة وموضع حفظ إلى أن يقع البعث.

  3. الشكل الهندسي: شكل النون العربي نصف دائرة سفلية ونقطة في مركزها. نصف الدائرة سفينة عائمة أو كأس أو رحم؛ النقطة بذرة محفوظة لا تفنى.

  4. موت وولادة: يسبق النون حرف الميم، ومن دلالاته الموت. بعد الانطواء الميمي تأتي النقطة النونية: إمكان الكائن يتركز في نواة لا تقبل التلاشي، ثم ينفتح في طور أعلى. لذلك يقرأ غينون خروج يونس من بطن الحوت كرمز للبعث والولادة الثانية.

  5. النونان واكتمال الدورة: يقارن غينون النون العربية بالحرف السنسكريتي الموافق لها. أحدهما نصف الدائرة السفلي، والآخر نصفها العلوي. اتحادهما يعطي دائرة بنقطة في المركز: صورة اكتمال الدورة، ورمز الشمس والذهب.

  6. الإسلام خاتمة الدورة: في الخاتمة يربط غينون بين العربية والسنسكريتية: الهندوسية تمثل الإرث الأقرب للملة الأصلية الأولى، والإسلام يمثل خاتمة النبوات في الدورة الراهنة. حرف نون يصبح إذن رمزا لاكتمال قوس البداية والنهاية.

بهذا لا تكون النون حرفا معزولا، بل عقدة تجمع القطب، الكهف، السفينة، الحوت، القلب، الولادة الثانية، والدورة الكونية.

شواهد من غينون

“لحرف النون في الأبجدية العربية كما في الأبجدية العبرية، المرتبة 14 والقيمة العددية 50” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الخامس عشر)

“خروج يونس من بطن الحوت اعتُبر دائماً رمزاً للبعث، أيْ الانتقال إلى طور جديد” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الخامس عشر)

“فهو مؤلف من النصف السفلي لدائرة ومن نقطة هي مركزها” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الخامس عشر)

“النقطة في داخلها تمثل البذرة المصانة في السفينة” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب الخامس عشر)

“في كل هذه الأمثلة تظهر النون في أسماء من اقترنوا بالتحول من طور سابق إلى طور جديد” (التصوف الإسلامي المقارن، تعقيبات المعرّب على الباب الخامس عشر)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

تعقيبات الشيخ مفتاح على هذا الباب واسعة جدا، وهي من أغنى مواضع الكتاب في علم الحروف. يوسع الشيخ النون في سبعة اتجاهات: عددها ٥٠، علاقتها بالخمسة والحفظ، ظهورها في أسماء نوح ويونس ولقمان وسليمان وذي القرنين، ورود الحوت في القرآن، علاقتها ببرج الجدي والتحولات الفلكية، ثم معناها كرحم وأنوثة وقبضة وحفظ.

القلب القرآني للباب هو افتتاح سورة القلم: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم:١). في قراءة الشيخ، النون وعاء السطر، والقلم فاعل الكتابة، وما يسطرون هو ظهور العالم في اللوح. لذلك تتصل النون بـالنفس الكلية بوصفها قابلا، وبالقلم الأعلى بوصفه فاعلا، وباللوح المحفوظ بوصفه موضع الحفظ.

ومن جهة يونس عليه السلام، يقول القرآن: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات:١٤٣-١٤٤). هذا يوافق معنى غينون: بطن الحوت ليس مجرد عقوبة، بل موضع استبطان بين موت وولادة. التسبيح يحفظ البذرة في النون حتى تخرج إلى طور جديد.

مثال يقرّب المعنى

انظر إلى رسم حرف ن:

  1. نصف الدائرة هو السفينة: يحفظ ما في داخله وسط المياه.
  2. النقطة هي الراكب أو البذرة: صغيرة في الظاهر، لكنها تحمل العالم الآتي.
  3. الفتحة العليا تعني أن هذا الموضع ليس سجنا نهائيا، بل رحم انتظار.

من دخل النون كما دخل يونس بطن الحوت، مات عن حال سابقة، لا عن وجوده كله. ومن خرج منها وُلد ولادة أخرى. لذلك النون رمز للعبور، لا للمحو.

صلات