في جملة واحدة
النصرانية عند غينون ملّةٌ لها ظاهرٌ وباطن: كان لها في القرون الوسطى علمُ باطنٍ أصيل يَشهد له دانتي و«أمناء المحبّة» ومايستر إيكهارت ورمز الكأس المقدّسة، غير أنّ جانبها الباطن خَفَت في العصر الحديث؛ ولذلك يُحذّر غينون من الخلط بينه وبين «المسيحية الباطنية» المُحدَثة التي فكّكها في «الثيوصوفيسم».
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
موقف غينون من النصرانية دقيقٌ، يَقوم على تمييزين:
- التمييز الأوّل: ظاهرٌ وباطن. النصرانية في أصلها لها بُعدٌ باطنيٌّ عرفانيّ، لا تَنحصر في الإيمان الظاهر؛ ودليلُه شهودٌ تاريخيون: دانتي الذي «خصّه غينون بكتابٍ مستقلّ»، ومايستر إيكهارت الذي أُدين على وَحدته الذوقية، ودورة الكأس المقدّسة (الغرال) بوصفها مركزًا رمزيًّا للتراث النصرانيّ الباطن.
- التمييز الثاني: الأصيل والمُزيَّف. ما يُسمّى اليوم «مسيحية باطنية» (عند الثيوصوفيين ومن نحا نحوهم) ليس استعادةً للباطن المسيحيّ، بل محاكاةٌ حديثة له، وهي من جملة الروحانية المنكوسة؛ ولذلك أفرد له غينون التفكيك في «الثيوصوفيسم».
ويُلاحظ غينون أنّ السلطة الروحية في الغرب النصرانيّ تَعرّضت لِتغوّل الحكم الزمني منذ أواخر القرون الوسطى، وهو ما رَصده في «السلطة الروحية والحكم الزمني» عبر صراع البابوية والإمبراطورية.
شواهد من غينون
“وقد خصص له المؤلف الشيخ عبد الواحد يحيى كتابا بيّن فيه أن دانتيه كان من رجال العرفان المسيحي الباطني.” — (رموز العلم المقدّس)
“وفيه يتضح أنّ رمزية الصليب ليست من خصوصيات المسيحية، بل تتميز بوسع انتشارها عند جُل المِلل حتى لا يكاد يخلو منها تراث عرفاني عبر العصور.” — (هيمنة الكمّ، تعقيب المترجم)
“هو ألماني من فرقة الدومينيكان المسيحيين، أدانه البابا بسبب مفاهيمه الصوفية والعرفانية الدالة على التوحيد وتجاوز التثليث.” — (هيمنة الكمّ، تعقيب المترجم في التعريف بمايستر إيكهارت)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُعنى الشيخ مفتاح بالنصرانية في الموسوعة من جهة إثبات أنّ للغرب باطنًا، لا من جهة المقارنة العقدية. فالدعوى التي تَقوم عليها الموسوعة — وَحدة المُسمَّى عبر التراثيات — تَفتقر إلى شاهدٍ غربيٍّ نصرانيّ حتى لا تَبدو موازاةً «شرقية» فقط؛ فيأتي دانتي ومايستر إيكهارت ورمز الكأس جوابًا.
ويَحرص الشيخ — تبعًا لغينون — على التحذير من الالتباس: فليس كلُّ ما تَسمّى بـ«الباطنية المسيحية» منه؛ بل كثيرٌ ممّا راج في العصر الحديث تحت هذا الاسم إنما هو من باب الروحانية المنكوسة التي فكّكها غينون. فالباطن النصرانيّ الأصيل عند الشيخ شهادةٌ على وَحدة العلم المقدّس، لا بابٌ لِلتلفيق بين الأديان.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل بئرًا قديمة جفّ ظاهرها، لكنّ ماءها ما يزال في القرار:
- الباطن النصرانيّ الأصيل (دانتي، إيكهارت، الكأس) هو الماء في القرار: حقيقةٌ كانت تَجري في القرون الوسطى وإن غاضت عن السطح.
- و«المسيحية الباطنية» المُحدَثة كمن يَملأ البئر ماءً مجلوبًا مُلوَّثًا ويَزعم أنه نبعُها الأصليّ.
فمن لم يُميّز بين الماءين حَسِب الزيفَ أصلًا. ولهذا يُلحّ غينون والشيخ على التمييز: إثباتُ الباطن الأصيل، وكشفُ المحاكاة الحديثة، معًا.
صلات
- شهودُه: دانتي (من رجال العرفان المسيحي الباطني)؛ ومايستر إيكهارت؛ وملكي-تصادق (الملك-الكاهن في الأصل الكتابيّ).
- رموزه: الكأس المقدّسة (الغرال)؛ الصليب.
- مفاهيمه التاريخية: الأمّة المسيحية؛ السلطة الروحية والبابوية والإمبراطورية.
- ما يَنبغي تمييزه عنه: الروحانية المنكوسة و«المسيحية الباطنية» المُحدَثة (انظر الثيوصوفيسم).
- التركيب المقارن: الجدول المقارن للمفاهيم عبر التراثيات.
- الكتب التي تُذكَر فيها: رموز العلم المقدّس؛ هيمنة الكمّ؛ السلطة الروحية والحكم الزمني؛ الثيوصوفيسم.