في جملة واحدة

«الأمّة المسيحية» (Chrétienté) هو الاسم الذي يَستعمله غينون لِـوحدة أوروبا الروحيّة في العصور الوسطى، قبل نشأة الدولة القومية. كانت وحدةً حقيقية (كالأمّة الإسلامية في بُنيتها)، وتحطّمها كان بداية الانحلال الغربي.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «السلطة الرّوحية والحكم الزمني» (الباب السابع)، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون المفهوم على ثلاثة محاور:

  1. الوحدة المسيحية كانت حقيقية: لا يَعتبرها غينون مجرّد «فكرة» أو «شعار»؛ كانت واقعًا مؤسّسيًّا وقانونيًّا وروحيًّا. البابا في روما سلطة روحية معترف بها في كلّ أوروبا. الحجّ إلى القدس شرقيًّا أو إلى روما غربيًّا واجب مشترك. القوانين الكنسيّة سارية في الممالك. فالأمّة واحدة بالفعل، لا بالادّعاء.
  2. القوميات جُزئيّات لا تَجمع: حين ظَهرت القوميات (القرن الخامس عشر وما بعد)، لم تُضف إلى الوحدة؛ هي كَسّرَتها. القومية الفرنسية في مواجهة الإنجليزية، والإنجليزية في مواجهة الإسبانية، والإسبانية في مواجهة الألمانية. تحوّلت أوروبا من أمّة واحدة إلى دول متحاربة.
  3. وحدة أدنى لا أعلى: القومية تَستمدّ وحدتها من الأرض والعرق واللغة. هذه كلّها ارتباطات دَنيوية. الوحدة الدنيوية، عند غينون، لا تَقوم على وَحدة المبدأ، بل على وَحدة العَرَض. ولذلك هي هشّة، عدائيّة ضدّ الخارج، وتَنتهي في النهاية إلى صراع الكلّ على الكلّ.

مراحل التحطّم

يَرصد غينون المراحل:

  1. المرحلة الأولى: ثورة الملكيّات على البابوية. بدأت في القرن الرابع عشر (فيليب الجميل ضدّ بونيفاس الثامن).
  2. المرحلة الثانية: الإصلاح البروتستانتي (القرن السادس عشر). فصلٌ ديني إضافة إلى السياسي. لم تَعُد كلّ أوروبا كاثوليكية؛ انقسمت.
  3. المرحلة الثالثة: الحرب الثلاثينية (١٦١٨-١٦٤٨). انتهت بمعاهدة وستفاليا التي أسّست مبدأ «الدولة القومية» كبديل للأمّة المسيحية.
  4. المرحلة الرابعة: القرن التاسع عشر. ذروة القوميات، توحيد ألمانيا وإيطاليا، سقوط الإمبراطوريات المسيحية القديمة (النمساوية-المجرية).
  5. المرحلة الأخيرة: القرن العشرون. الحربان العالميّتان (١٩١٤-١٩٤٥) هما ثمرة القوميات. بعدها، يَظهر أنّ حتّى القومية لم تَعد تَكفي: يَصعد الاقتصاد ليكون المرجع الأخير.

ما بعد الأمّة المسيحية

هل يُمكن استعادة وحدة روحية في الغرب؟ غينون حذر:

  • لا يَعتقد أنّ الكنيسة الكاثوليكية اليوم قادرة على الجمع كما كانت.
  • لا يَعتقد أنّ الاتحاد الأوروبي (المؤسّس على الاقتصاد) بديلٌ حقيقي.
  • يُعلّق الأمل على صفوة من العارفين تَحمل الميتافيزيقا الحقّة، وتَعود بالغرب إلى مبدئه.

شواهد من غينون

“وفي العصر الوسيط، كانت توجد في الغرب وحدة حقيقية تعتمد على أسس من طراز تراثيّ، هي أسس «الأمّة المسيحية».” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع: اعتداءات الملكية ونتائجها)

“ولقد تحطّمت بلا رجعة تلك الوحدة عندما تشكلت هذه الوحدات الجزئيّة التي هي القوميات الوطنية.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع)

“فـنظام «القوميات» نمط من التوحيد السياسي، فهو إذن توحيد ظاهري خارجي، يستلزم تجاهل، إنْ لم يكن إنكار، المبادئ الرّوحيّة التي يمكن لها وحدها إقامة وحدة حقيقيّة وعميقة في حضارة مّا.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع: اعتداءات الملكية ونتائجها)

“والقوْميّات الوطنية التي هي أجزاء مشتتة من «الأمّة المسيحية» القديمة، والوَحَدات الزّائفة التي حَـلـّـتْ محـلّ الوحدة الحقيقيّة بفعل هيمنة الحُكم الزمني، لا يمكنها الاستمرار في الحياة، بمقتضى نفس الأوضاع التي شكّلتها، إلا بمقاومة بعضها البعض.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع: اعتداءات الملكية ونتائجها)

“فالرّوح وحدة، والمادّة كثرة وشتات، وكلما حصل الابتعاد عن الرّوحانيّة، كلـّما احتدّت وتفاقمت وازدادت الأضداد المتنازعة.” (السلطة الرّوحية والحكم الزمني، الباب السابع: اعتداءات الملكية ونتائجها)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

هذا المفهوم بالنسبة للقارئ المسلم يُوَضَّح بالمقارنة: «الأمّة المسيحية» في أوروبا الوسيطة هي **ما تُقابل «الأمّة الإسلامية»** في بنية الوحدة. كلاهما وحدةٌ مصدرها الدين لا الأرض، وكلاهما يَشمل بلادًا متعدّدة بلغاتٍ متعدّدة، وكلاهما يَعترف بقيادة روحية (البابا عند النصارى، الخليفة ومن بعده العلماء عند المسلمين). والدرس الذي يَستخرجه الشيخ من تحليل غينون: **حين تَنكسر الأمّة الدينية لصالح القوميات، تَدخل الحضارة في مرحلة انحلالها**. وهذا تحذيرٌ مباشر لِما يَجري اليوم في العالم الإسلامي من صعود الدول القومية على حساب «الأمّة».

مثال يقرّب المعنى

تأمّل فرنسيًّا في القرن الثاني عشر، وفرنسيًّا في القرن التاسع عشر، واسألهم: «ما أنت؟»

  • في القرن الثاني عشر: سيقول «أنا مسيحي»، ثمّ «من إقليم شامبانيا» أو «من فرنسا» ثانيًا. انتماؤه الأوّل للأمّة المسيحية التي تَمتدّ من إيرلندا إلى سوريا الصليبية، تَرأسها البابوية الرومية. إذا سافر إلى ألمانيا أو إنجلترا، يَجد أخوةً في الدين يُشاركونه نفس المسيح، نفس البابا، نفس اللاهوت، نفس القداس. فاصلُ اللغة يُخطّى بِلغة الكنيسة المشتركة (اللاتينية).
  • في القرن التاسع عشر: سيقول «أنا فرنسي» قبل أيّ شيء آخر، ثمّ ربّما «كاثوليكي» ثانيًا (وقد لا يَقولها). انتماؤه الأوّل للأمّة الفرنسية، التي تُقابل الأمّة الألمانية والأمّة الإنجليزية في عَداء غالب. الحروب الكبرى لَن تَكون حروبًا دينية؛ ستكون حروب قومية.

الفرق هنا ليس فرقًا في التسمية؛ هو فرقٌ في ما يَجمع الناس. كانت الأمّة المسيحية تَجمعهم على المبدأ الروحي؛ صارت القوميات تَجمعهم على الأرض والعِرق واللغة. الانتقال من الأوّل إلى الثاني هو، عند غينون، انتقال من وحدة أعلى إلى وحدة أدنى. والوحدة التي مصدرها الأرض (لا السماء) لا تَعرف عداوةً إلا مع أرضٍ أخرى، فَتَجلب الحروب القومية.

المرجع الإسلامي

ربط الموسوعة بين مَفهوم الأمّة المسيحية الكُلّية والنُّصوص القرآنية.

ما يَصفه غينون من «الأمّة المسيحية» الجامعة قبل انحلالها إلى قَوميات، يَلتقي تَطابقًا مع مَفهوم «الأُمّة» القرآني. أَهَمّ المراجع:

  • ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥٢) — تَأسيس قُرآني للأُمّة الواحدة الرَّوحية.
  • ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (البقرة:٢١٣) — وَحدة الإنسانية الأَصلية قبل التَّفرُّق.
  • ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران:٨٥) — الإسلام بمَعناه العامّ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران:١٩) هو الأُمّة الجامعة لكلّ الأَنبياء.
  • ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:١٠٣) — نَهيٌ صَريح عن التَّفَرُّق.

والحديث: «المؤمن للمؤمن كالبُنيان يَشدّ بَعضه بَعضًا» (رواه البخاري ومسلم) — صورة الأُمّة كمَبنى واحد.

وما حَدث للأُمّة المسيحية من تَفكُّك إلى قَوميات أَوربية حدث له نَظير في الأُمّة الإسلامية بَعد انحلال الخِلافة العثمانية إلى دُول قَومية في القرن العشرين. والقارئ المُسلم لِنَقد غينون لِحَلّ الأمّة المسيحية يَجد فيه تَنبيهًا مُماثلًا لِحَلّ الأمّة الإسلامية في زَمنه: ضَياع المبدإ الروحي الجامع لِمَصلحة عَصبيّات قَومية.

صلات