في جملة واحدة

الجوهر والعرض هما مقولتان وجوديّتان ومبدآن ميتافيزيقيّان: الجوهر هو الحقيقة الثابتة القائمة بنفسها والتي تحمل الصفات، والعرض هو الأوصاف والصفات المتغيّرة الطارئة التي لا تقوم إلا بالجوهر؛ ويُرْجعهما غينون إلى الاستقطاب الكوني الأول بين الجوهر الفاعل والجوهر المنفعل (Essence et Substance).

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في الفصل الأول والثاني من «هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان»، بصياغة المحرّر.

يُعيد غينون تأسيس التمييز الفلسفي التقليدي بين الجوهر والعرض برده إلى أصوله الميتافيزيقية عبر النقاط التالية:

  1. الاستقطاب الكوني الأول: الوجود المطلق في تجليه الأول يستقطب إلى قطبين مبدئيين: الجوهر الفاعل (Essence / Purusha) وهو قطب النور والكيف والفاعلية، والجوهر المنفعل (Substance / Prakriti) وهو قطب المادة والقابلية والكمون. ومن اتحاد هذين القطبين ينشأ كل كائن متجلّ في الكون.
  2. النسبية والتعيين: في مراتب الوجود المختلفة، يُستعمل مصطلحا “الجوهر الفاعل والجوهر المنفعل” بمعنى نسبي؛ فبالنسبة لعالمنا المحسوس، يظهر الجوهر الفاعل في مظهر الكيف (Qualité)، بينما يظهر الجوهر المنفعل في مظهر الكم (Quantité).
  3. الكيف ملازم للشكل (الجوهر الفاعل): الكيف أو الصفة التي تجعل الكائن ما هو عليه تعود إلى “الشكل” (Forma) بالمعنى المدرسي، وهو جوهرٌ مجرّد وكيفي خالص لا يقبل التجزؤ، ويمثل الجانب المبدئي للكائن.
  4. الكم ملازم للمادة (الجوهر المنفعل): الكم والعدد يتعلقان مباشرة بجانب “المادة” (Materia / Materia prima) التي هي الجوهر المنفعل الممثل للكمون المحض والقابلية الصرفة للظهور، والتي لا تُدرك مباشرة بل بأشكالها.
  5. الجوهر والعرض في التجلّي الفردي: الكائن الفردي هو محصلة اتحاد الفعل (نصيبه من الجوهر الفاعل) والقابلية (نصيبه من الجوهر المنفعل). وحقيقته الباطنة (جوهره) تحمل أعراضه الظاهرة؛ فالكيف يرجع للمبدأ الفاعل، والكم والأبعاد ترجع للمبدأ المنفعل.
  6. الانحراف الحديث: يكمن خطأ العلم المعاصر والمادية الصرفة في محاولة إرجاع الكيف إلى الكم (أي تفسير الأعلى بالأسفل)، وخلط الأعراض الحسية بالجوهر الحقيقي للكائن، مما أفرغ العلوم من جوهرها المفسِّر.

شواهد من غينون

“ويمكن إذًا القول أيضا بأنّ الهبوط… يجرى من الكيف المحض نحو الكم الصّرف، والواحد والآخر هما بالتأكيد طرفان يقعان خارج ووراء مجلى الظهور، الواحد فوقيا والآخر تحتيا، لأنهما… تعبير عن المبدأين الكليين الذيْن سميناهما في مواقع أخرى على التوالي «الجوهر الفاعل الفاعل» و«الجوهر المنفعل المنفعل» (essence et substance)… اللذين هما القطبان الذان يتم بينهما كل مجلى للظهور.” — (هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، الفصل الأول)

“إنّ الجوهر الفاعل والجوهر المنفعل بهذا الاعتبار النسبي، وخاصة فيما يتعلق بالكائنات المتميّزة، يمثلان معًا نفس ما سمّاه الفلاسفة المدرسيّون… «الشكل» و«المادة»… ومهما يكن، فإنّ القول بأنّ كل كائن ظاهر هو مركّب من «شكل» و«مادة» يعنى أنّ وجوده قائم بالضرورة على الجوهر الفاعل وعلى الجوهر المنفعل معا.” — (هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، الفصل الثاني)

“ويمكن القول بأنّ الكم، مشكِّلا بالضبط للجانب الجوهري الثابت المنفعل لعالمنا، هو إنْ صح التّعْبِير، شرطه «القاعدي» أو الأساسي… فــتـنـكـيـس الكيف إلى الكم، أليس هو في الصميم «تنكيس الأعلى إلى الأسفل».” — (هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، الفصل الثاني)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُقدّم الشيخ مفتاح تعقيباً هاما في حواشي الفصل الأول حول الصعوبة البالغة في الترجمة العربية لمصطلحي (Essence) و(Substance) في الفلسفة الغربية، نظراً لتداخلهما في العربية تحت لفظ "الجوهر".

يُحرر الشيخ مفتاح الدلالة كالتالي:

  • (Essence): تُترجم بـ (الماهية، الكنه، الجوهر الفاعل)، ودلالتها مجردة وفاعلة تؤول إلى الغاية العلوية.
  • (Substance): تُترجم بـ (الجوهر المنفعل، القوام، المادة)، ودلالتها حسية أو قابلة للتجسد حساً، كحامل للصفات والأعراض.

ويصل الشيخ هذا المفهوم بالمقولات العشر عند الفلاسفة والصوفية (الجوهر، الكم، الكيف، الإضافة، الزمان، المكان، الوضع، الملك، أن يفعل، أن ينفعل)، مبيناً أن الشيخ الأكبر ابن عربي قد فصّل في “الفتوحات المكية” (خصوصاً الباب 198 والباب 6) مضاهاة هذه المقولات بين العالم الأكبر والعالم الأصغر (الإنسان) وحضرة الرحمن، حيث سمّاها بالسور العشر الجامعة (الأصل وهو الجوهر، والمحمول وهو العرض، والمقدار وهو الكم، والأحوال وهو الكيف). وبذلك يكون التقسيم الغينوني للجوهر والعرض متطابقاً بنيوياً مع تقسيم ابن عربي للأصل والمحمول في مراتب الوجود.

مثال يقرّب المعنى

تأمل تمثالاً من الذهب:

  • الذهب كـ مادة (الجوهر المنفعل / الكم): هو المادة القابلة للتشكل، ويمثل الجانب القاعدي للتمثال. بدون الذهب لا وجود مادي للتمثال.
  • شكل التمثال كـ صورة (الجوهر الفاعل / الكيف): هو الهيئة المحددة للتمثال (مثل صورة أسد أو إنسان)، وهو الذي يعطي التمثال هويته وصفاته الخاصة.
  • صنعة الصائغ وأبعاد التمثال (العرض): كونه كبيراً أو صغيراً، موضوعاً في زاوية معينة، هذه أوصافٌ عارضة تطرأ على المادة بموجب تشكلها بالصورة.

فالصورة والذهب هما الجوهر الفاعل والمنفعل للتمثال، وتفاصيل شكله ومكانه هي أعراضه. والمادية الحديثة كمن يدرس وزن الذهب (الكم) ظاناً أنه يفسر جمال الفكرة وصنعة التمثال (الكيف).

صلات