في جملة واحدة

الكمّ والكيف ليسا مفهومَين متجاورَين، بل قطبان لكلّ موجود: أحدهما أعلى (الكيف)، والآخر أسفل (الكمّ). ومن حركة الموجودات من الأوّل إلى الثاني يَبني غينون كلَّ نقده للعصر الحديث.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «هيمنة الكمّ» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، بصياغة المحرّر. والكلامُ الحرفيّ في شواهد من غينون أدناه.

لا يتّضح أحد القطبَين عند غينون إلا بالآخر:

  • الكيف يعود إلى جهة التعيّن المبدئيّ: النوع، والمعنى، والمرتبة، والجوهر الفاعل.
  • الكمّ يعود إلى جهة الامتداد والقياس والتكاثر: القاعدة التي لا تمايُزَ فيها بذاتها.

كلّ شيءٍ في الكون مزيجٌ من القطبَين، ولا وجود لأحدهما مستقلًّا في عالم الظهور. والحركة بينهما هي ما يَسمّيه غينون «الاتّجاه الدوري»:

  1. في بداية الدورة، كانت الحضاراتُ أقربَ إلى قطب الكيف: المعرفة مبدئية، والحكم تابعٌ لها، والرموز حيّةٌ نافذة.
  2. كلّما تقدّمت الدورة، تراجع الكيف وتقدّم الكمّ.
  3. في آخر الدورة (وهو العصر الحديث) تبلغ الحضارة نهايةَ سلّم الكمّ، فلا يبقى مُعتبَرًا إلا ما يُحصى.
  4. ثمّ يحدث الانقلاب: يتحوّل الكمّ المحض إلى صورةٍ شيطانية للكيف، وهي ما يسمّيه غينون الروحانية المنكوسة.

ومن هنا فهمنا أنّ «هيمنة الكمّ» اسمٌ للطور الأخير، و«الكمّ والكيف» اسمٌ للقوس كلِّه.

موقع الكتابَين من هذه الثنائية

  • في هيمنة الكمّ: الزوج هو عنوان التشخيص التاريخي الكبير. الكتاب يَبدأ بتحديد القطبَين، ثمّ يَرصد علامات تراجع الكيف في كلّ ميدان.
  • في مراتب الوجود المتعدّدة: الزوج لا يرد عنوانًا، لكنّ خلفيّته الميتافيزيقية تتّضح في ثنائيات «الجوهر الفاعل / الجوهر المنفعل» و«البطون / الظهور» و«الوحدة / الكثرة». وهذه الثنائيات هي الأصل النظري الذي عليه يَبني غينون تحليل «الكمّ والكيف».

شواهد من غينون

“ويمكن إذًا القول أيضا بأنّ الهبوط الذي ذكرناه يجرى من الكيف المحض نحو الكم الصّرف، والواحد والآخر هما بالتأكيد طرفان يقعان خارج ووراء مجلى الظهور، الواحد فوقيا والآخر تحتيا.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“ومن بين الخطوط المميّزة للذّهنية الحديثة، سنأخذ هنا في البداية، كنقطة مركزية لدراستنا، الاتجاه نحو حصر الكل في زاوية النظر الكمّية فقط.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“النقطة الأسفل تَكْتَسِي مظهر الكمية الصّرْفة، الخالية من كل تمايز كيفي.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

“فبيْنما الكثرة المبدئية مدرجة في الوحدة الميتافيزيقية الحقيقية، فإنّ “الوحدات” الحسابية أو الكَمِّية هي بالعكس مشمولة في الكثرة الأخرى التي هي في الأسفل.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“ومن هذين المبدأين الكليين تتفرّع ثنائيات كثيرة مثل (إطلاق / تقييد) (ذات / صفات) (وحدة / كثرة) (بطون / ظهور) (كيف / كمّ) (جوهر / عرض) (روح / مادة) (جمع / فرق) (هويّة / إنيّة) (ذكر / أنثى) (سماء / أرض)… إلى آخره من الثنائيات المتقابلة المتكاملة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعليق المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يَضُمّ الشيخ زوجَ «الكيف / الكمّ» إلى سلسلةٍ أكبر من الثنائيات الميتافيزيقية المعروفة في المصطلح الأكبريّ، ليُبيّن أنّ هذا الزوج عند غينون ليس فكرةً فلسفيّةً أوروبيّة مستحدَثة، بل فَصْلٌ من فصول الميتافيزيقا العرفانيّة:

وبهذا الإدراج، يتّضح أنّ «الكيف / الكمّ» عند غينون مطابقٌ في الجوهر لـ «الروح / المادّة» و«الصفات / العرض» و«البطون / الظهور» عند الأكبريّين، وأنّ النقد الغينوني للحداثة هو، في منطوقه العربي، نقدٌ لاختزال «الوجود الباطن» لصالح «الوجود الظاهر».

مثال يقرّب المعنى

تخيّل سهمًا رأسيًّا: أعلاه ذهَبٌ مُنيرٌ، وأسفله ترابٌ مُعْتِم. كلُّ موجودٍ في الكون واقعٌ على هذا السهم، أقربُ إلى أحد الطرفَين. فالملائكة وأهل المعرفة في أعلاه، والحجر والرمل في أسفله. والإنسان حرٌّ: إمّا أن يصعد في جهة الكيف بالمعرفة والتربية الروحية، وإمّا أن يهبط في جهة الكمّ بالغفلة والانغماس في الحسّ.

ثمّ تخيّل أنّ هذا السهم ليس مجرّدَ وصفٍ ثابت للكون، بل هو أيضًا اتّجاه تاريخي: البشرية كلُّها تتحرّك عليه. في البداية، كانت أقرب إلى الأعلى. ومع الدورة الكونية، تنحدر رويدًا رويدًا إلى الأسفل. وحين تَبلُغ الطرفَ الأدنى تكون في كَالي يُوكا، وهذا هو موقعنا الآن.

«الكمّ والكيف» عند غينون هو اسم هذا السهم. فهمه يفتح الطريق إلى فهم كلّ مفهومٍ من مفاهيمه الأخرى.

صلات