في جملة واحدة

الـ«يَانـڨ» والـ«يين» هما مقولتان كونيّتان في تراث الشرق الأقصى تَدُلّان على القطبَين المتكامِلَين اللذَين يَنبثقان من استقطاب الوحدة الميتافيزيقية «تاي-كي»: الـ«يَانـڨ» الفاعل المتوحِّد المذكَّر النوراني السماوي، والـ«يين» المنفعل المتكثِّر المؤنّث الظلامي الأرضي؛ ولا يَكون أحدهما دون الآخر في أيّ شيء ظاهر، وكلّ كائن خنثًى بنسبةٍ تَتفاوت في الموجَب أو السالب.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في «الثلاثية العظمى» الفصل الرابع، بصياغة المحرّر.

يَبني غينون المفهوم على ست نقاط:

  1. مَقولتان لا ضدّان: الـ«يَانـڨ» والـ«يين» «متكاملان أكثر من كونهما متضادَّيْن». التعارض الظاهري بينهما (نور/ظلّ، فاعل/منفعل) يَنحلّ في تكامل أعمق: لا فعل بلا انفعال يَستقبله، ولا نور بلا ظلّ يُحيط به.
  2. ينبثقان من الاستقطاب: لا يَنبثقان من مبدأَيْن مستقلَّيْن، بل من استقطاب الوحدة الميتافيزيقية. السماء كلّها يَانـڨ، الأرض كلّها يين، والوحدة المتعالية «تاي-كي» تَجمعهما قبل التمايز. ولذلك ليس في تراث الشرق الأقصى أيّ «ثنويّة» بمعنى أنّ الكون له مبدآن متضادّان (كالخير والشرّ المانويَّيْن)؛ بل المنطق الصيني هو منطق توحيد بِبنية ثلاثية: مبدأ واحد، يَنبثق منه قطبا تكامل، يَنتج عنهما عالم الكثرة.
  3. لا يَنفصلان في أيّ ظاهر: كلّ شيء فيه قسط من الـ«يَانـڨ» وقسط من الـ«يين». لا فاعل خالص في عالم الظهور (إلا السماء كقطب)، ولا منفعل خالص (إلا الأرض كقطب). وكلّ كائن «خنثًى بمعنى معيّن وإلى حدّ معيّن، وتزداد خنوثته كلما كان هذان العنصران أكثر توازنا فيه». والذكورة والأنوثة في الكائن الفردي هما هيمنة أحدهما لا انفراد أحدهما.
  4. رمزهما الخطّي: الـ«يَانـڨ» هو الخطّ المتّصل ﹂، والـ«يين» هو الخطّ المنكسر ﹈ ﹈. وبتقاطعهما تَتولّد «الكُوُوَا الثمانية» (الأشكال الثلاثية) في كتاب التحوّلات «يي-كينڨ»، وهي رموز كلّ مظاهر الوجود الممكنة.
  5. رمزهما الكلّي (يين-يَانـڨ): الدائرة المُنصفة بخطٍّ منحنٍ تَفصلها إلى نصفَيْن (مظلم ومضيء)، مع نقطتَيْن مركزيَّتَيْن (سوداء في الجانب المضيء، بيضاء في الجانب المظلم). والنقطتان تُذَكّران أنّه لا يَكون الـ«يَانـڨ» والـ«يين» أحدهما دون الآخر في الواقع. وهذا الشكل أيضًا هو «بيضة العالم» التي يَنفصل نصفاها إلى سماء وأرض.
  6. التطبيقات لا حصر لها: نور/ظلّ، فاعل/منفعل، مذكَّر/مؤنّث، روح/نفس، حياة/موت، صعود/نزول، فعل/قوّة (بالمعنى الأرسطي)، علوي/سفلي، باطن/ظاهر، استنشاق/زفير، انبساط/انقباض القلب. وفي كلّ التطبيقات، المنطق نفسه: قطبان متكاملان من وحدةٍ أعلى.

رمز الحياة الكونية: اللولب المزدوج

في الفصل الخامس من الكتاب، يُكمل غينون رمز الـ«يين-يَانـڨ» برمز اللولب المزدوج (شائعٌ في اليونان القديمة، في النقوش الكلتية، في الفنّ الصيني)، وهو رمز التنفّس الكوني والحركة الدورية للقطبَين. وفي الفصل السادس، يَستعمل تعبيريْن صينيَّين خاصّيْن: «التحلّل» (تَفكّك المتجلّي عودًا إلى المبدأ، حركة الـ«يين») و«التخثّر» (انعقاد المبدأ في الظاهر، حركة الـ«يَانـڨ»). وهذا ما يَستحضره الشيخ مفتاح إلى موضع آخر من الباب الثاني عشر في الكبريت والزئبق والملح: الكبريت = مبدأ الفعل = «يَانـڨ»، والزئبق = مبدأ الانفعال = «يين»، والملح = مَنتوجهما المتوازن.

المطابق القرآني والأكبريّ

يَنطبق المنطق نفسه على آيات قرآنية كثيرة:

  • ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:٤٩) — الكون كلّه أزواج.
  • ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ (يس:٣٦).
  • ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (الفجر:٣) — الشفع للأزواج، الوتر للوحدة المتعالية.

وعند ابن عربي في الفتوحات الباب ٢١، الكون كلّه «فرديّة»: ذات الحقّ، نسبة الإرادة إليه، وقول «كن» الواصل بينهما؛ فلا يَكون شيء إلا «عن الفرديّة، لا عن الأحديّة، لأنّ أحديّته (تعالى) لا تَقبل الثاني». فالقطبية في الظهور (تي/تيان، أرض/سماء، يين/يَانـڨ) تَوازي القطبية في عالم الأمر والخلق عند الصوفية. وعند السهروردي في «عوارف المعارف» الباب ٥٦ (الذي يُلحقه الشيخ مفتاح بالكتاب): «الروح الإنساني العلوي السماوي من عالم الأمر، والروح الحيواني البشري من عالم الخلق»، فالروح «يَانـڨ» والنفس «يين»، والقلب يَتولّد من سكون أحدهما إلى الآخر.

شواهد من غينون

“كلّ شيء فاعل، وإيجابي أو مُذكَّر هو «يَانـْڨ»، وكل شيء منفعل،وسلبي أو مؤنث هو «يين».” (الثلاثية العظمى، الفصل الرابع)

“ترتبط هاتان المقولتان رمزيّاً بالنور والظل: ففي كل شيء، الجانب المستنير هو يَانـْڨ، والجانب المظلم هو يين؛ لكنهما لا يكونان أبدًا واحدًا دون الآخر، ويظهران متكامليْن أكثر من كونهما متضادّيْن.” (الثلاثية العظمى، الفصل الرابع)

“والسماء كلها «يَانـْڨ» والأرض كلها «يين»، وهذا يعني أنّ الجوهر الفاعل هو فعل خالص وأنّ الجوهر المنفعل قوة كامنة خالصة؛ لكنهما هما وحدهما اللذان يكونان في الحالة الخالصة، من حيث كونهما قطبيْ الظهور الكلي.” (الثلاثية العظمى، الفصل الرابع)

“يكون كل كائن «خنثًويّا» بمعنى معيّن وإلى حدّ معيّن، وتزداد «خنوثته» كلما كان هذان العنصران أكثر توازنا فيه.” (الثلاثية العظمى، الفصل الرابع)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُحرّر الشيخ مفتاح هذا الزوج في قائمة المصطلحات الفرنسية-العربية في صدر الكتاب، مُختارًا «التكامل» لا «التضاد» مقابلًا لـComplémentaires، و«الثنويّة» (Dualisme) للموقف المرفوض الذي يَجعل العالم خاضعًا لمبدأَيْن متعارضَيْن. هذا الاختيار اللغوي بالغ الأهمّية: «الثنائية» (Dualité) مفهوم وَجيه يَصف بنية الظهور؛ أمّا «الثنويّة» فهو المذهب المرفوض الذي يَجعل قطبَيْها مبدأَيْن متضادَّيْن لا مبدأَيْن منبثقَيْن من وحدة أعلى.

ومن أعمق ما يَفعله الشيخ في ملحقاته نَقله نَصّ السهروردي من «عوارف المعارف»، الذي يُحرّر بنية الإنسان بمنطقٍ هو في الجوهر منطق «يين-يَانـڨ»: عالم الأمر/عالم الخلق، روح علوي/روح حيواني، الذكورة (الأب الروح)/الأنوثة (الأم النفس)، ثمّ القلب الذي «يَتولّد من سكون أحدهما إلى الآخر». فالمتعلّم المسلم يَجد في كلام السهروردي معجمًا قرآنيّ الأصل (آيات «وخلق منها زوجها ليسكن إليها»، و«ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها») يُسعفه على فهم منطق الـ«يَانـڨ/يين» الصيني دون استيراد مصطلحي.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل النَّفَس:

  1. حين تَستنشق الهواء، يَفعل صدرك بالاتّساع والامتلاء؛ هذا «يَانـڨ»: حركة فاعلة، مذكَّرة، تَبسط.
  2. حين تَزفر، يَنفعل صدرك بالانكماش والتفريغ؛ هذا «يين»: حركة منفعلة، مؤنّثة، تَقبض.

لا تَستطيع أن تَتنفّس بـ«يَانـڨ» وحده (تَستنشق دون أن تَزفر = تَنفجر)، ولا بـ«يين» وحده (تَزفر دون أن تَستنشق = تَموت). كلّ نَفَس واحد لكنّه يَتألّف من قطبَين، يَخلف أحدهما الآخر بلا انقطاع. هذا هو المنطق الصيني: الواحد ينقسم إلى اثنين، والاثنان يَتعاقبان كلولبَين متشابكَين، والمتعاقبان يُنتجان عشرة آلاف كائن.

والقاعدة العامّة: ابحث في كلّ شيء عن جانبه الفاعل وجانبه المنفعل، وعن جانبه المضيء وجانبه المظلم. ستَجد دائمًا الزوج. وستَجد دائمًا أنّ القطبَين متّحدان في النهاية في وحدة أعلى منهما — كالنفس الواحد فوق الاستنشاق والزفير.

صلات

  • الكتاب المؤسِّس: الثلاثية العظمى (الفصل ٤ خصوصًا، والفصل ٥ على اللولب المزدوج).
  • القطبان الأصليان (المبدآن المباشران): «السماء (تيان)» و«الأرض (تي)» = الجوهر الفاعل المتوحّد والجوهر المنفعل المتكثّر.
  • المبدأ الذي يَجمعهما: تاي-كي (الوحدة المتعالية) ووَراءه وُو-كي (غيب البطون) = الوجود الظاهر والوجود الباطن.
  • التركيب الثلاثي: الإنسان كنتيجة وحدّ أوسط بين السماء والأرض = الإنسان الحقيقي والإنسان المتعالي.
  • الأرضية الميتافيزيقية: الإمكانية الكلية؛ تعدّد مراتب الوجود.
  • الموازي الأكبريّ: الفرديّة في الباب ٢١ من الفتوحات؛ عالم الأمر وعالم الخلق عند الصوفية؛ الكبريت والزئبق والملح في الكيمياء الهرمسية الأكبريّة.
  • الموازي السهرَوَردي: الروح العلوي والروح الحيواني وتكوّن القلب من سكونهما — راجع ملحق الشيخ مفتاح في «الثلاثية العظمى» نقلًا عن «عوارف المعارف» الباب ٥٦.
  • التراث المرتبط: الطاوية (الباطن الصيني الذي يَستعمل هذا الزوج صراحةً).
  • رموز ذات صلة: الصليب المعقوف (الحركة الدورية للقطبَين)؛ اللولب المزدوج؛ خاتم سليمان.