في جملة واحدة

التمييز بين اللامتناهي (l’Infini) واللامحدّد (l’Indéfini) هو المفتاح الذي يَفتح به غينون كلَّ مسائل ميتافيزيقا الكمّ: فــ«اللامتناهي» نَعتٌ لا يَصحّ تطبيقه حقًّا إلا على الوجود الحق الجامع الكليّ المطلق الذي لا حدَّ له ولا يَقبل تحديدًا؛ وأمّا «اللامحدّد» فهو ما تَنفلت نـهايتُه عن الحصر مع كونه يَبقى نسبيًّا في مجاله، كمتتالية الأعداد الصحيحة التي «لم تَنتهِ» بَعدُ.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ لموقف غينون في كتابه «مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا» بصياغة المحرّر.

يَبني غينون التمييزَ على أربع نقاط:

  1. اللامتناهي حقيقة ميتافيزيقية لا كميّة: نَعت «اللامتناهي» لا يَنطبق على أيّ شيء عَدَدي أو كَمّي. كلّ ما يَقبل القياس فهو محدود من حيث طبيعته الكميّة. اللامتناهي هو ما لا حدَّ له بأيّ وجه، أي ما لا «خارج» له، وهذا لا يَنطبق إلا على «الكلّ الوجودي الأعمّ»، أي الوجود الحق الجامع المطلق.
  2. اللامحدّد نسبيّ: ما يُسمّيه الرياضيّون «لامتناهيًا» في الواقع «لامحدّد». متتاليةُ الأعداد لامحدّدة لأنّها «لم تَنتهِ»، لكنّها لا تَخرج عن مجال الكمّ. اللامحدّد لـه دائمًا «خارج» يَحدّه، حتى لو كان ذلك الخارج يَنتمي إلى مرتبة وجود أخرى.
  3. الخلط مصدر التناقض: علماء الرياضيات الحديثون لا يُميّزون بين المفهومين، فيَنسبون لِما هو «لامحدّد» (متتالية الأعداد، الكثرة الكميّة) خصائصَ ما هو «لامتناهٍ»، فيَقعون في تناقضات: «العدد اللامتناهي» (الذي هو أكبر من كلّ عدد، مع أنّ كلَّ عدد يَقبل الزيادة)، «أعدادٌ أكبر من اللامتناهي» (كنظرية كانتور للمتجاوز للامتناهي)، «أنصافٌ من اللامتناهي» (كقول سبينوزا «لامتناهٍ في جنسه»). كلّها تَستلزم تناقضًا.
  4. التطبيق الكوني والصلة بنظرية مراتب الوجود: حتى مراتب الوجود الفوق-فردية، رغم سعتها، تَظلّ في الحقيقة «لامحدّدة» لا «لامتناهية»، لأنّ ما فوقها يَحدّها مبدئيًا. وحده الوجود الحق الجامع المطلق (الذي يُسمّيه القرآن «الصمد») هو لامتناهٍ بحصر المعنى. وهذا الموقف يَجد جذره الأكبريّ في قول ابن عربي إنّ الحقّ تعالى «لا أجزاء فيه».

مقابل «اللامتناهي صغرا»

في الجهة المقابلة، الكميّات «اللامتناهية الصغر» (les infinitésimales) ليست هي الأخرى لامتناهيةً بحصر المعنى، بل لامحدّدة في التناقص: كميّةٌ تَقبل التناقص أصغرَ فأصغرَ، دون أن تَبلغ الصفر أبدًا ولا أيّةَ «قيمة دنيا». والصفر نفسه ليس عددًا، بل غياب العدد؛ فلا يَجوز اعتباره الحدَّ الأقصى للتناقص الكمّي. وهذا التحرير الدقيق هو الذي يُتيح لغينون أنْ يُصحّح طريقةَ لايبنتز في الحساب التفاضلي بإحلال «اللامحدّد في الصغر» محلَّ «اللامتناهي صغرا» المزعوم.

المطابق القرآني والأكبريّ

في القرآن: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد:٣) تَجمع الجهات الأربع التي لا يَخرج عنها شيء؛ وقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) يَنفي كلَّ تَحديد. وعند ابن عربي في الفتوحات، الباب 73: الحقّ «لا أجزاء فيه» بحصر المعنى، أي لا يَقبل أيّ تَجزئة كميّة، ولا يَدخل تحت أيّ نسبة. وفي الباب 131 من الفتوحات يَستحضر غينون قول ابن عربي: «العدد حُكمه مقدّم على حكم كلّ حاكم»، أي أنّ مرتبة العدد فوق المراتب الجزئية، لكن دون المرتبة المطلقة.

شواهد من غينون

“فنعْتُ «اللامتناهي» لا يصحّ تطبيقه حقا إلا على الوجود الحق الجامع الكلي المطلق.” (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، مقدّمة المترجم)

“ففكرة «عدد لامتناه» بمعنى «الأكبر من كلّ الأعداد» أو «عدد جميع الأعداد»، أو أيضا:«عدد كلّ الوحدات»، هي فكرة متناقضة حقا في حدّ ذاتـها.” (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، الفصل الثاني)

“لا يمكن وجود عدد هو أكبر من جميع الأعداد الأخرى، لأنّه مهما كان كبره، يمكننا دائمًا إنشاء عدد أكبر منه بإضافة الوحدة إليه.” (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، الفصل الثاني)

“العدد ليس سوى نمط من الكمّ، والكمّ نفسه ليس سوى قسم خاص أو نمط من الوجود، غير متمادّ منه.” (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، الفصل الثاني)

“ربما يكون اللامتناهي الحقيقي هو المطلق نفسه، الذي لا يتألف من أجزاء.” (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، الفصل الثالث، نقلًا عن لايبنتز في «بارقة» نادرة)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يُحرّر الشيخ مفتاح في مقدّمة المترجم وفي قائمة المصطلحات الفرنسية-العربية أنّ Infini يُترجَم بـ«اللامتناهي»، وأنّ Indéfini يُترجَم بـ«اللامحدّد، اللامتعيّن». ويَنبّه إلى أنّ هذا التمييز الاصطلاحي الدقيق غير شائع في الكتابات الرياضية العربية، فيُختار عمدًا للحفاظ على المسافة المعرفية بين المفهومَين.

ويَربط الشيخ هذا التمييز بالعرفان الإسلامي في تعليقه على القول الأكبريّ «هو الأول والآخر والظاهر والباطن»: «أي أنّ الهويّة الذاتية للوجود الحق المطلق جامعة للكلّ، فهي في كلّ شيء سارية، وعن كلّ شيء مجرّدة وعارية حسب تعبير الشيخ محيي الدّين بن العربي في صلاته الفيضية». فاللامتناهي الميتافيزيقي عند غينون هو بعينه الحقّ الصمد عند ابن عربي: لا أجزاء فيه، لا داخل ولا خارج، لا قبل ولا بعد.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل ثلاثة أشياء:

  1. عددٌ مهما كَبُر: مليون، أو مليار، أو مليار مليار. هذا «محدود». تَعرف بدايته ونـهايته.
  2. متتاليةُ الأعداد الصحيحة كلِّها: 1، 2، 3، … هذه «لامحدّدة». مهما بَلَغتَ عددًا، استطعتَ أنْ تَزيد عليه واحدًا، فلن تَصل إلى آخرها. لكنّها رغم ذلك تَظلّ في مجالٍ نسبيّ واحد: مجال الكمّ المنقطع، ولا تَخرج عنه.
  3. الوجود الحق الجامع المطلق: لا حدَّ له بأيّ وجهٍ، لا في مجال الأعداد، ولا في مجال الكميّات، ولا في مجال الأنماط، ولا في أيّ شيء. ليس له «خارج» يَحدُّه. هذا وحده هو «اللامتناهي» بحصر المعنى.

الفرق بين الثاني والثالث جوهري: الثاني «لا متناهٍ» في اتّجاه واحد فقط، له «خارج» يَحدّه (ميادين الوجود غير الكميّ). أمّا الثالث فلا خارج له أصلًا.

صلات