في جملة واحدة
براهما في الفيدنتا هو المبدأ الأَسمى المُطلَق: غَير مَوصوف (نِرغونا، nirguṇa)، فَوق كلّ نَعت (نيرفيشيشا، nirviśeṣa)، غَير مَشروط على الإطلاق. يَتميَّز عن «إيشوارا» الذي هو الظُّهور الإلهي المُشخَّص (ساغونا، saguṇa) كمبدإ مَجلى الظُّهور الكُلّي. «المعرفة الإلهية» في الفيدنتا (براهما-فيديا) هي مَعرفة براهما، وهي «نِهاية الفيدا» في معنى الغاية. والمَوازي البُنيوي في الإسلام: «ذات الحقّ» قبل التَّجلّي عند ابن عربي.
الشرح الميتافيزيقي
يَبسط غينون مَفهوم براهما في الفصل الأَوّل من «الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا». يَبني فيه ستّ نقاط:
-
براهما ≠ إيشوارا: التَّمييز الأَساسي في الفيدنتا الذي يُغفِله الفهم الغَربي. «المُصطلح السنسكريتي الذي يُمكن تَرجمته بشكل غير دَقيق إلى الاسم الإله ليس براهما، بل إيشوارا». براهما = المُطلق، إيشوارا = الإله المُشخَّص. الخَلط بَيْنهما يَهدم البِنية الميتافيزيقية كلَّها.
-
براهما-فيديا = «المعرفة الإلهية»: «وجهة نظر الميتافيزيقا الخالصة تَتضمَّن بشكل أَساسي النظر في براهما أو المبدأ الأَسمى». ومنه اسم «براهما-ميمانسا» (الميمانسا الثانية، أي الفيدنتا)، ومنه «براهما-سوترا» (أمثال بادارايانا).
-
براهما نِرغونا (غَير مَوصوف): «براهما غير مَوصوف (نيرغونا)، ووراء كلّ نَعت (نيرفيشيشا)، وغير مَشروط على الإطلاق». لا يُقال عنه بصِفة، لأنّ كلّ صِفة تُشَخِّصه، وكلّ تَشخيص يَنقض إطلاقَه. وهذا هو بارا-براهما (الأَعلى).
-
إيشوارا ساغونا (مَوصوف): «إيشوارا أو الظُّهور الإلهي، ليس سوى تَعيين لبراهما كمبدإ لمَجلى الظُّهور الكُلّي بالنسبة إلى هذا المَجلى. لذلك فإنّ اعتبار إيشوارا هو بالفعل وَجهة نَظر نِسبية: إنّها أَعلى نِسبية، وأَوّل كلّ التَّعيُّنات، ولكن ليس أَقلّ صحّة أنّها مَوصوفة (ساغونا) ومُتصوَّرة بوضوح (سافيشيشا)». وهذا هو آبارا-براهما (الأَدنى نِسبيًّا).
-
المعرفة بنَوعَيْن: «فالمعرفة في هذا الصدد نَوعان، وهي تُسمَّى نَفسها عُليا أو غَير عُليا، حَسب ما إذا كانت تَتعلَّق بـبارا-براهما أو بآبارا-براهما». معرفة بارا-براهما = الانعتاق الأَكبر (موكشا). معرفة آبارا-براهما = الانعتاق الأَدنى.
-
براهما يَسكن مَركز الإنسان: «يُقال إنّ براهما هو الذي يَقيم في المركز الحَيوي للإنسان، وهذا لكلّ إنسان مهما كان». هذا هو «مَسكن براهما» (براهما-بورا)، وهو القَلب (هرديا، hṛdaya) في الفيدنتا. وفيه يَنكشف التَّطابق بين آتما وبراهما: «آتما يَتطابق مع براهما».
شواهد من غينون
“لارتباطها بشكل جوهري ومباشر بـ”المعرفة الإلهية” (براهما-فيديا)” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)
“وجهة نظر الميتافيزيقا الخالصة تتضمّن بشكل أساسي النظر في “براهما” أو المبدأ الأسمى” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)
“براهما “غير موصوف"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)
“بينما”إيشوارا” أو “الظهور الإلهي” ليس سوى تعيين له كمبدأ لمجلى الظهور الكلّي بالنسبة إلى هذا المجلى” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)
“اعتبار “إيشوارا” هو بالفعل وجهة نظر نسبيّة: إنها أعلى نسبية، وأوّل كل التعيّنات، ولكن ليس أقل صحة أنها “موصوفة”(ساڨونا)و”متصوّرة بوضوح”(سافيشيشا)” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الأول)
“ولهذا يقال إنّ”براهما” هو الذي يقيم في المركز الحيوي للإنسان، وهذا لكل إنسان مهما كان” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، الفصل الثاني)
“فالمعرفة في هذا الصدد نوعان، وهي تسمى نفسها “عليا” أو “غير عليا”، حسب ما إذا كانت تتعلق بــ”بارا- براهما” أو بـ”آبارا - براهما"" (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا، هوامش الفصل الثاني والعشرين)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
التَّمييز الأَساسي بَيْن بارا-براهما وآبارا-براهما يَلتقي تَطابقًا بُنيويًّا مع تَمييز رئيسي عند الشَّيخ الأكبر ابن عربي: «الذات» و**«الأَسماء والصِّفات»**. الذات في حدّ نَفسها مُطلَقة، لا اسم لها ولا صِفة، تَتعالى عن كلّ نَعت. والأَسماء والصِّفات تَجلٍّ للذات في مَواطن الظُّهور. وهذا هو ما يُسمّيه ابن عربي في الباب ٧٣ من الفتوحات (مَنزل المعرفة بالاسم الصمد):
- الذات = بارا-براهما (نِرغونا).
- الإله بأَسمائه وصِفاته = إيشوارا (آبارا-براهما، ساغونا).
والشَّاهد القُرآني الأَكبر هنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١). نَفي كلّ مِثل لله يَلتقي بنَفي كلّ صِفة عن براهما النِرغونا. وفي الحديث القُدسي: «كنت كَنزًا مَخفيًّا فأَحببتُ أن أُعرَف فخَلَقتُ الخَلق فبه عَرَفوني» — الكَنز المخفيّ هنا هو الذات الصمدانية (بارا-براهما)، والظُّهور بالخَلق هو إيشوارا.
ومن أَدقّ ما في تَعليق غينون: تَنبيهه إلى أنّ المُسلم ينبغي أن يَفهم أنّ المُقابلة بين براهما والله ليست تَطابقًا حَرفيًّا. براهما في الفيدنتا أَوسع من الإله المُشخَّص. الإله المُشخَّص في الفيدنتا اسمه إيشوارا. والمسلم يَستخدم «الله» على الوَجهَيْن: ذاتًا مُطلقة (مُقابِل براهما)، وإلهًا مَوصوفًا بأَسماء حُسنى (مُقابِل إيشوارا).
والآية: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الحشر:٢٢). الضمير «هو» الأَوّل يُشير إلى الذات المُطلقة (بارا-براهما)، واسم «الله» الذي بَعده يُشير إلى الذات المَوصوفة بالأَسماء (إيشوارا). وهذا التَّمييز اللُّغوي بين «هو» و«الله» في القرآن يَلتقي بتَمييز الفيدنتا.
مثال يقرّب المعنى
تَأمّل النور الشَّمسي وثلاث مَراتب لإدراكه:
-
الشمس وحدها قبل أن تَشرق: لو افترضت الشمس قبل أن يُشرق نورها، لا تَعرفها بصِفة. لا تَقول عنها «مُضيئة» (لأنّها لم تُضِئ بَعد)، ولا «حارّة» (لأنّها لم تُسخّن)، ولا «صَفراء» (لأنّها لم تَلوّن شيئًا). تَبقى هي في ذاتها، فَوق الوَصف. هذا حال بارا-براهما (الذات قبل التَّجلّي).
-
الشمس وقد أَشرقت: حين تَطلع، تَكسب الصِّفات: «مُضيئة»، «حارّة»، «صَفراء»، «مُحرقة»، «نافعة للأشجار»، «ضارّة للناظر مُباشرةً». كلّ هذه الصِّفات حَقيقية، لكنّها تَجلٍّ للشمس، لا الشمس في ذاتها. هذا حال إيشوارا (الإله المَوصوف بالأَسماء بَعد التَّجلّي).
-
الانكسارات في كلّ شيء: الشمس الواحدة تَنعكس في كلّ زجاجة من الماء، في كلّ مرآة، في كلّ ورقة تَلتمع. هل في كلّ ورقة شَمس؟ بَل في كلّ ورقة انعكاس للشمس الواحدة. هذا حال آتما في كلّ كائن: في كلّ شَيء «هو الأَعلى»، ليس لأنّ في كلّ شيء براهما مُنفصلًا، بل لأنّ براهما الواحد يَنعكس في كلّ كائن.
ولذلك الفيدنتا تَقول «أَهَم برَهماسمي» (أنا براهما) — لا تَعني أنّ الفَرد البَشري = المبدأ المُطلَق، بل أنّ ما هو آتما فيَّ هو نَفسه ما هو براهما في الكَون كلّه. واحديّةُ المُنعكِس عَيْن واحديّة المُنعَكَس فيه، لا اتّحادًا بل تَطابقَ مَبدأ.
والقاعدة الإسلامية في هذا: «هو في ذاته كما هو في صِفاته، وفي صِفاته كما هو في ذاته» (ابن عربي). الذات والصِّفات ليستا حَقيقتَيْن مَفصولتَيْن، بل وَجها واحدًا له اعتباران. هذا تَطابق بُنيوي مع براهما-إيشوارا.
صلات
براهما هو **القُطب الكَوني** لكلّ الفيدنتا. يَتمايز عن [[concepts/al-atman|آتما]] فقط من وَجه الفَردية، ويَتطابق معه في الحقيقة. تَجلّيه المُشخَّص هو إيشوارا، الذي منه يَنبثق العالم في حِجاب [[concepts/al-maya|مايا]]. ومَن تَحقَّق بهذا التَّطابق نال [[terms/moksha|موكشا]]. والكَثرة التي تَظهر بَيْن براهما والكائنات الفَردية مُجرَّد [[concepts/nama-rupa|اسم وشكل]] (ناما-روبا)، لا حَقيقة ذاتية.
- الكتاب المؤسِّس: الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا (الفصل الأول والثاني خاصّة)؛ دراسات حول المذاهب الهندوسية.
- المفاهيم المُترابطة: آتما (آتما = براهما عند التَّحقّق)؛ مايا (حِجاب الظُّهور)؛ ناما-روبا (الاسم والشكل)؛ موكشا (مَعرفة براهما)؛ الشخصية والفردية (التَّفصيل الفيدنتي).
- التراث: الفيدنتا (= براهما-ميمانسا)؛ الهندوسية.
- النَّصّ المؤسِّس: الأوبانيشاد؛ الفيدا؛ «براهما-سوترا» لبادارايانا.
- الشَّارح الأَكبر: شانكاراشاريا.
- المُوازي الإسلامي البُنيوي: «الذات الصمدانية» قبل التَّجلّي عند ابن عربي (الباب ٧٣ من الفتوحات)؛ «الذات المُطلَقة» مُقابل «الأَسماء والصِّفات».
- التَّحذير: نَقد غينون لـ**«الثيوصوفيا البَراهمانية»** (مُصطلح أولترامار)، ولـ«الميتافيزيقيين الزائفين» الذين يُسقطون مَفاهيم غَربية على براهما.
- التَوازي القُرآني: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) — مُقابل نِرغونا براهمن؛ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ (الحشر:٢٢)؛ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص:٢).
- المرجع الحديثي: «كنت كَنزًا مَخفيًّا فأَحببتُ أن أُعرَف فخَلَقتُ الخَلق فبه عَرَفوني».