في جملة واحدة
الكمّ هو ما يُحصى ويُقاس: العدد والحجم والمساحة والوزن والمدّة. وعند غينون هو شرطٌ من شروط الوجود الجسماني الأدنى، لا مفتاحٌ لقراءة الواقع كلّه.
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ لموقف غينون كما ورد في «هيمنة الكمّ» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، بصياغة المحرّر.
يميّز غينون بين ثلاث مراتب للكمّ، ولا يسوِّي بينها:
- الكمّ الميتافيزيقي («الكثرة المبدئية»): التعدّد الحقيقي للإمكانيات في الإمكانية الكلية. وهذا التعدّد مدرَجٌ أصلًا في الوحدة، لا يُناقضها.
- الكمّ الكوني: الامتداد والتكاثر في مجلى الظهور، وهو من آثار تعدّد مراتب الوجود.
- الكمّ الصرف: الحدّ الأدنى من الوجود الجسماني، وهو ما ينتهي إليه الشيء حين يُنزَع عنه كلُّ تمايز نوعيّ. وهذا هو الكمّ بالمعنى الحديث، العلمي الكَمِّي.
الخطأ الحديث هو أخذ الكمّ الصرف جوهرًا للواقع، ثمّ إسقاطه على كلّ شيء: على الإنسان (فيصير رقمًا في إحصاء)، وعلى المعرفة (فتصير بيانات تقاس)، وعلى الحضارة (فتصير ناتجًا محلّيًّا).
ويصف غينون هذا «الهبوط الدوري» بدقّة: العالم في حركته التنازلية يبتعد شيئًا فشيئًا عن القطب الأعلى (الكيف) ويقترب من القطب الأسفل (الكمّ)، إلى أن يصير الكمّ وحده هو الظاهر. وفي هذه المرحلة يولد ما يسمّيه العلم الظاهري: علمٌ كمِّيٌّ فقط، لا يجاوز المقياس.
شواهد من غينون
“ويمكن إذًا القول أيضا بأنّ الهبوط الذي ذكرناه يجرى من الكيف المحض نحو الكم الصّرف، والواحد والآخر هما بالتأكيد طرفان يقعان خارج ووراء مجلى الظهور، الواحد فوقيا والآخر تحتيا.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“فالعدد هو الذي ينبغي حقا أن يُنظر إليه كَكَمٍّ صرف.” (هيمنة الكمّ، الفصل الثاني: المادة تتميّز بالكمّ)
“النقطة الأسفل تَكْتَسِي مظهر الكمية الصّرْفة، الخالية من كل تمايز كيفي.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“فبيْنما الكثرة المبدئية مدرجة في الوحدة الميتافيزيقية الحقيقية، فإنّ “الوحدات” الحسابية أو الكَمِّية هي بالعكس مشمولة في الكثرة الأخرى التي هي في الأسفل.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
“ومن بين الخطوط المميّزة للذّهنية الحديثة، سنأخذ هنا في البداية، كنقطة مركزية لدراستنا، الاتجاه نحو حصر الكل في زاوية النظر الكمّية فقط.” (هيمنة الكمّ، المقدّمة)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“ومن هذين المبدأين الكليين تتفرّع ثنائيات كثيرة مثل (إطلاق / تقييد) (ذات / صفات) (وحدة / كثرة) (بطون / ظهور) (كيف / كمّ) (جوهر / عرض) (روح / مادة) (جمع / فرق) (هويّة / إنيّة) (ذكر / أنثى) (سماء / أرض)… إلى آخره من الثنائيات المتقابلة المتكاملة.” (مراتب الوجود المتعدّدة، تعليق المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
يُدرِج الشيخ زوجَ «الكيف/الكمّ» ضمن سلسلةٍ أوسع من الثنائيات الميتافيزيقية، حتى يُريَ القارئ العربيّ أنّ كلام غينون ليس غريبًا على المصطلح العرفاني، بل هو فصلٌ من فصوله:
وبهذا الإدراج يصبح الكمّ ليس مفهومًا إحصائيًّا غربيًّا فحسب، بل قُطْبًا في منظومة الثنائيات الميتافيزيقية التي يعرفها ابن عربي وأتباعه.
مثال يقرّب المعنى
حين تُطعِم طفلَك تفّاحةً وتَصِفُ له ما قدّمت، أيّ شيءٍ تقول؟
- إن قلتَ: «تفّاحة واحدة وزنها ١٥٠ غرامًا»، فأنت تتكلّم بلغة الكمّ.
- وإن قلتَ: «تفّاحة حلوة ناضجة نافعة لبدنك»، فأنت تتكلّم بلغة الكيف.
كلا الوصفين صحيح، لكنّ الأوّل لا يَفِي بالثاني ولا يَنوب عنه. والعصر الحديث، عند غينون، هو الذي صار يحسب أنّ الوصف الأوّل كافٍ وحده؛ بل هو الوصف الوحيد «العلمي». وهنا تبدأ هيمنة الكمّ.
صلات
- القطب المقابل: الكيف؛ التمييز النوعي والمرتبة العليا.
- القوس الجامع: الكمّ والكيف؛ الزوج مقروءًا معًا.
- التطبيق التاريخي: هيمنة الكمّ؛ الطور الذي يطغى فيه الكمّ.
- الأصل الميتافيزيقي: تعدّد مراتب الوجود؛ إذ الكمّ ينتمي إلى المرتبة الجسمانية.
- الأفق العلميّ للكمّ المحض: العلم الظاهري.
- الكتاب المرجع: هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان.
- الأرضية الميتافيزيقية: مراتب الوجود المتعدّدة.