في جملة واحدة

الحرفة الأصيلة عند غينون عملٌ كيفي صادر عن فطرة ووظيفة ومبدأ، ويمكن أن يحمل طابعا شعائريا وتربويا؛ أما الصناعة الحديثة فهي عمل آلي يضحّي بالكيف في سبيل الكمّ ويحوّل العامل إلى وحدة قابلة للاستبدال.

الشرح الميتافيزيقي

الفصول الثامن إلى الثاني عشر من هيمنة الكمّ ليست نقدا اقتصاديا للصناعة، بل نقدا ميتافيزيقيا لتحويل العمل الإنساني إلى وظيفة كمية.

في الحضارة التراثية لا يوجد فصل حاد بين الفن والحرفة والعلم. الحرفي ليس “عامل إنتاج” فقط؛ عمله امتداد لفطرته ومقامه في النظام الاجتماعي والكوني. لذلك كانت الحرفة قابلة لأن تكون دعامة من دعامات التربية الفعلية، لأن ما يباشره الإنسان بيده وجسده وخياله يمكن أن يصير طريقا إلى الباطن إذا بقي متصلا بالمبدأ.

وفي بحوث عرفانية يظهر الوجه الإيجابي لهذه القضية في مقال “التربية الروحية والحرف”: لا يكتفي غينون بنقد الصناعة، بل يبين أن المهنة يمكن أن تكون سندا تربويا إذا وافقت طبيعة الإنسان وسوادهارماه، وأن التمييز الحديث بين “فنان” و”حرفي” من آثار الانحراف الدنيوي.

وفي مقالات في العرفان المقارن يتعمق الملف في جهة التربيات الحرفية: البناؤون والنجارون والرفقة الحرفية لا يمثلون مجرد تاريخ مهني، بل قنوات تلقينية كان العمل فيها لغة رمزية لعلوم تراثية. لذلك يكون فقدان الفهم الحي للرموز الحرفية جزءا من الانحطاط نفسه الذي تنتهي إليه الصناعة الحديثة.

الصناعة الحديثة تقلب هذا الوضع. الآلة لا تكون امتدادا للإنسان، بل تجعل الإنسان ملحقا بها. والمنتج لا يحمل خاصية صاحبه ولا موضعه، بل يطلب التماثل والتكرار. ومن هنا يتصل فصل الحرف بفصول الإحصاء وكراهية السر والتبسيط: كلها صور من نفس المسار، أي إخضاع الكيف للكم، وإلغاء التفرد النوعي لصالح المجموع القابل للعد.

لهذا لا يقول غينون إن الصناعة “سيئة” لأنها جديدة فقط؛ بل لأنها ثمرة العلم الظاهري حين يتحول إلى تطبيقات منفصلة عن العلم التراثي. وهي بهذا إحدى العلامات العملية لـ هيمنة الكمّ في الجسد الاجتماعي.

شواهد من غينون

“الصناعة الحديثة تمثِّل، بكل الاعتبارات انتصار الكمّ” (هيمنة الكمّ، الفصل السابع: التماثل المطرد ضد الوحدة)

“في منتجات هذه الصناعة ذاتها، يُضَحَّى تماما بالكيف في سبيل الكمّ” (هيمنة الكمّ، الفصل السابع: التماثل المطرد ضد الوحدة)

“إنّ التناقض الموجود بين ما كانت عليه الحِرف الأصيلة وما هي عليه الصناعة الحديثة هو، مرة أخرى، في الصميم، حالة خاصة، وكأنها تُجسّد التناقض الواقع بين وجهتَيْن للنظر” (هيمنة الكمّ، الفصل الثامن: الحرف العتيقة الأصيلة والصناعة الحديثة)

“كل عملٍ فيها يتضمن في جوهره طابعا تعبّديا” (هيمنة الكمّ، الفصل الثامن: الحرف العتيقة الأصيلة والصناعة الحديثة)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

يقرّب الشيخ مفتاح هذا الباب إلى القارئ المسلم بتمييز قرآني وحديثي. فهو يستشهد بنصوص تمجّد عمل اليد من جهة، وتنبه إلى أن “الصنع” حين ينفصل عن الحق قد يرد في سياق الذم. المقصود ليس ذم كل صنع، بل ذم الصنع حين يصير غرورا عمرانيا ووعدا بالخلود الأرضي.

وبذلك يمكن وصل هذا الباب بمفهوم الفتوة والعمل الشريف في التراث الإسلامي، وبالأخص بما يظهر في صفحات حراس الأرض المقدسة والتصوف الإسلامي. فالفروسية والحرفة والفتوة ليست عند غينون ومفتاح “مهنًا” فقط، بل وجوه من انتظام الإنسان في وظيفة مخصوصة داخل ترتيب أعلى.

مثال يقرّب المعنى

الأداة في يد الحرفي تشبه امتدادا ليده: أثر الضربة، اختيار المادة، مقدار الصبر، ونسبة الشكل كلها تدخل في العمل. أما الآلة الصناعية فتطلب من العامل أن يكرر حركة محددة، وأن يسلّم النتيجة إلى معيار خارجي موحّد.

في الحالة الأولى يبقى العمل قابلا لأن يكون علما ونسكا. وفي الثانية يصير العمل حركة آلية قابلة للقياس والمراقبة والإحصاء.

صلات