في جملة واحدة
الخيال في الاصطلاح الأكبريّ ليس ملكةً نفسانية تُنشئ الأوهام، بل مرتبةٌ وجودية برزخية بين عالم المعاني المجرّدة وعالم الأجسام الكثيفة: فيها تَتشكّل المعاني صورًا وتَلطُف الصورُ معانيَ. وهو ما يُعبّر عنه غينون بـ«مجال الظهور اللطيف» أو «العالم المثالي».
الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)
تلخيصٌ بصياغة المحرّر، جامعٌ بين اصطلاح غينون في «الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا» و«مراتب الوجود»، وبين المعجم الأكبريّ في حواشي المترجم.
- عالَمٌ لا ملَكة: الخيالُ هنا مرتبةٌ في الوجود لا قوّةٌ في الدماغ. ولهذا يُسمّى في المعجم الإسلاميّ عالم المثال، ويُعدّ الوجهَ الأكبريّ لِما تَقدّم في البرزخ: هو البرزخ منظورًا إليه من جهة الصور التي تَقوم فيه.
- موضعه من العوالم الثلاثة: يُقابل في التقسيم الإسلاميّ الثلاثيّ (المُلك والملكوت والجبروت) ما يُقابل النفسَ بين الجسم والروح؛ وبعبارة أخرى: الحسّ ثم الخيال ثم المعنى.
- الخيال متّصلٌ ومنفصل: منه ما يَقوم بالإنسان (المتّصل)، ومنه ما هو عالَمٌ قائمٌ بنفسه لا يَتوقّف على المتخيِّل (المنفصل). وهذا التمييز هو الذي يَمنع ردَّ عالم المثال إلى مجرّد نشاطٍ ذهنيّ.
- الفارق بين الوهم والهمّة: عامّة الناس يَخلقون في قوّة خيالهم ما لا وجود له إلا فيها؛ وأمّا العارف فيَخلق بالهمّة ما يكون له وجودٌ خارج محلّ الهمّة. فالخيال في المرتبة الدنيا وهمٌ، وفي المرتبة العليا قدرةٌ إيجادية مأذونٌ فيها.
- تحذيرٌ لازم: لفظ «الخيال» في متن غينون يَرِد كثيرًا بالمعنى الآخر: الملكة الحسّية الفردية التي يَذمّها عند نقد الميستيك والأرواحية (كقوله إنّ الميستيك يُخدع بخياله). فلا يُخلط بين مرتبةٍ وجودية شريفة وبين ملكةٍ فردية مضلّة، وإن اشترك اللفظ.
شواهد من غينون
“ويمكن تسمية مجال الظهور اللطيف، بسبب طبيعته “الذهنية”:“العالم المثالي”، لتمييزه عن العالم المحسوس، الذي هو ميدان الظهور الكثيف” (الإنسان ومصيره حسب الفيدنتا)
“تسميات مثل “شهود حسي” و”شهود خيالي” (والخيال يندرج أيضا ضمن ميدان الملكات الحسية باعتبار معناها الأوسع)” (التربية والتحقّق الروحي)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
“العوالم الثلاثة هي: المُلك والملكوت والجبروت، أو الجسم والنفس والروح، أو الحس والخيال والمعنى، إلخ.” (التصوف الإسلامي المقارن، حاشية المترجم)
“بالوهم يخلق كل إِنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إِلا فيها، وهذا هو الأمر العام. والعارف يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة” (مراتب الوجود المتعدّدة، حاشية المترجم)
“الجيلي في الباب 57 من كتابه ” الإنسان الكامل ” وعنوانه : الخيال وأنّه هيولي جميع العالم .” (مليك العالم، تعقيب المترجم)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
قلم المحرّر موقع الخيال في معجم الموسوعة أنّه يَحسم إشكالًا يَقع فيه القارئ الحديث: إذا قيل «عالم الخيال» تَبادر إلى ذهنه اللاواقع. والمقصود عند الأكبريّين عكسُ ذلك: عالمٌ أوثقُ وجودًا من عالم الأجسام، لأنّه أقربُ إلى المبدأ منه. ولهذا يَنقل الشيخ مفتاح عن الجيلي أنّ الخيال هيولى جميع العالم، أي مادّتُه التي تَقوم بها صورُه.
وهنا تَظهر فائدة الجمع بين اللسانَين: غينون يَقول «مجال الظهور اللطيف»، والشيخ يَقول «عالم المثال»؛ والمُسمّى واحد. غير أنّ اللسان الأكبريّ أغنى في هذا الباب، لأنّه يُميّز المتّصل من المنفصل، والوهمَ من الهمّة، وهي فروقٌ لا يَجدها القارئ في المصطلح الفرنسيّ.
وأمّا التحذير فباقٍ: مَن قَرأ في الخيال شرفَ المرتبة ثمّ ظنّ كلّ ما يَعرض له في نفسه من صورٍ مرتبةً شريفة، فقد عاد إلى الخلط بين النفساني والروحاني من بابه الواسع.
مثال يقرّب المعنى
تأمّل معنًى في نفسك حين تُريد إبلاغه:
- المعنى في ذاته مجرّدٌ لا صورة له ولا لون.
- فإذا أردتَ إبلاغه كَسوتَه صورةً: لفظًا أو مثلًا أو رسمًا. وهذه الصورة ليست المعنى، وليست جسمًا محضًا؛ هي بينهما.
- ثمّ يَقرؤها السامع فيَنزع عنها الصورة ويَستخرج المعنى، صعودًا من حيث نَزلتَ أنت.
فمنزلة الصورة بين المعنى واللفظ هي منزلة الخيال بين الروح والجسم: معبَرٌ في النزول والصعود معًا. ولهذا كانت الرؤيا الصادقة والرمز والمثَل كلُّها من هذا الباب: معانٍ تَنزّلت في صور، تُقرأ بالتأويل صعودًا لا بالحسّ وقوفًا.
صلات
- أصلُه المرتبيّ: البرزخ (الخيال وجهُه الصوريّ).
- بناؤه الوجوديّ: تعدّد مراتب الوجود؛ الهيولى (الخيال هيولى العالم عند الجيلي)؛ الأعيان الثابتة.
- لغتُه: اللغة التراثية والرمز المتجسّد؛ ورمزيةُ الرؤيا والمثَل.
- خطرُه: الخلط بين النفساني والروحاني؛ السلوك مقابل الميستيك (الميستيك يُخدع بخياله).
- الشُّرّاح: عبد الكريم الجيلي (الباب ٥٧ من الإنسان الكامل)؛ ابن عربي؛ الشيخ عبد الباقي مفتاح.