في جملة واحدة

البرزخ هو الحدّ الذي يَفصل ويَصل معًا: به يَنفصل عالم الخلق عن مبدئه وبه يَتّصل، بحسب الوجه الذي يُنظر منه. وهو في الكون العالم الأوسط بين الأجسام الكثيفة والأرواح المجرّدة، وفي الإنسان مرتبة النفس بين الروح والجسم، وفي المصير عالم ما بعد الموت وقبل البعث.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ بصياغة المحرّر لموقفٍ يَتكرّر في «التصوف الإسلامي المقارن» و«الثلاثية العظمى» و«هيمنة الكمّ»، مستندًا إلى نصوصها وحواشي المترجم.

  1. البرزخ ذو وجهَين: ليس حاجزًا فقط، بل حدًّا له وجهٌ إلى ما فوقه ووجهٌ إلى ما دونه. ولهذا كان الروح هو «البرزخ الأمثل»: وجهٌ إلى الحقّ ووجهٌ إلى الخلق.
  2. وظيفته جِسرٌ لا سُور: مَن كانت وظيفتُه برزخية لَزِمه أن يَجمع الوجهَين في ذاته، فيكون كالجسر أو القناة التي تَفيض بها الفعاليات الإلهية على الخلق. فالبرزخ معبَرٌ، ومن هنا كانت وظيفة الوساطة كلُّها برزخية.
  3. العوالم ثلاثة لا اثنان: بين المجرّد والكثيف عالمٌ أوسط لا يَستقيم البناء بدونه. ويَظهر ذلك حتى في العمارة المقدّسة: القبّة الدائرية (السماء) لا تَستقرّ على القاعدة المربّعة (الأرض) إلا بشكلٍ برزخيّ وسيط هو المثمَّن؛ وهي رمزية تربيع الدائرة.
  4. موقع الإنسان برزخيّ: كما تَتوسّط النفسُ بين الروح والجسم في الكائن، يَتوسّط الإنسانُ بين السماء والأرض في الكون. وهذا معنى «الأوسط» في الثلاثية الكبرى، وكمالُه في الإنسان الكامل.
  5. الخطر: البرزخيّ الأسفل: للعالم البرزخيّ أسفلُ كما له أعلى. والأسفل منه هو الميدان النفسانيّ، وهو أوسع من العالم الجسمانيّ وأكثرُ تعقيدًا، وميدانُ الأوهام بامتياز. وأخطرُ ما يُنبّه عليه غينون أنّ التربية الباطنية المزيّفة لا تَتجاوزه البتّة، فتَحسب النفسانيَّ روحانيًّا. وهذا هو الخلط بين النفساني والروحاني، مرضُ العصر المركزيّ.

شواهد من غينون

“فهو “حد” ينفصل به عالم الخلق عن مبدئه الحق, وفي نفس الآن به يتصل, وذلك حسب وجهة النظر الذي يـُنظر بها إليه؛ وبالتالي, هو “البرزخ” الأمثل” (التصوف الإسلامي المقارن، الباب التاسع: الرّوح)

“والكائن الذي وظيفته ذات طبيعة برزخية ينبغي بالضرورة أنْ يجمع في ذاته هذين المظهرين، بحيث يكون كـ”الجسر” أو كـ”القناة” التي تفيض من خلالها الفعاليات الإلهية على الخلق” (التربية والتحقّق الروحي)

“لا يمكنها في أي حال أن تتجاوز “العالم البرزخي الأسفل” أي الميدان النفساني” (هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“أي العالم الوسط البرزخي بين العالمين الأعلى الروحاني المجرد والأسفل الجسمي الكثيف” (مليك العالم، تعقيب المترجم)

“وللتوسع في معرفة العالم البرزخي بعد الموت وقبل البعث يوم القيامة ينظر الباب 63 من “الفتوحات المكية” للشيخ ابن العربي” (ضلال الأرواحية، حاشية المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر يَربط الشيخ مفتاح البرزخ بالنصّ القرآنيّ الصريح: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠)، ويُحيل للتوسّع إلى الفتوحات المكية (الباب ٦٣). وبهذا يَصير المصطلح الغينونيّ «العالم الوسيط» مقروءًا بلسان القرآن لا بلسان الفلسفة.

وأدقّ ما في الباب تمييزٌ يَحرص عليه الشيخ: أنّ المشاهد البرزخية الصادقة عند الأولياء شيءٌ، واستحضار الأرواح عند الأرواحيّين شيءٌ آخر. فالأولى تجرّدُ سرٍّ في حضرةٍ قدسية، والثانية تعلّقٌ بمخلَّفاتٍ نفسانية تَركها الميّت في العالم الأسفل. وتفصيلُ ذلك في الاتصال البرزخي واستحضار الأرواح.

ومن هنا تَتبيّن قيمة البرزخ في معجم الموسوعة: هو المفتاح الذي يُفسّر أكثر انحرافات العصر. فمن جَهِل أنّ بين الحسّ والروح عالَمًا ثالثًا، حَمل كلَّ خارقٍ على الروحانية، ووقع فيما حذّر منه غينون. ومن عَرَف البرزخ عَرَف أنّ فوق النفسانيّ مرتبةً أخرى لا يَبلغها إلا الحدس الروحيّ بسَندٍ صحيح.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل سطح الماء الفاصل بين الهواء والعمق:

  • هو يَفصل العالمَين: من فوقه هواءٌ ومن تحته ماء.
  • وهو نفسُه يَصلهما: منه يَدخل الهواءُ في الماء، وعليه تَنعكس صورة السماء فتُرى في البحر.
  • ومن نَظر إلى انعكاس الشمس على الماء فحَسِبه شمسًا، فقد غَلِط: رأى صورةً صادقةً في موضعها، لكنّه أخطأ في مرتبتها.

فالبرزخ سطحٌ فاصلٌ واصل. ومَن رأى فيه الصور فظنّها الحقائق العليا، فقد وَقع في الخلط الذي يُحذّر منه غينون: أخذَ انعكاس الروحانيّ في المرآة النفسانية على أنّه الروحانيّ نفسُه.

صلات