في جملة واحدة

القبّالة (ومعناها «التلقّي» و«المأثور») هي التراث العرفاني الباطن في الملّة الإسرائيلية؛ مبدؤها الأعلى «عين سوف» (اللامتناهي قبل التجلّي)، وتجلّياته «السفيروت» العشر، وبنيتها «شجرة الحياة»، وأداتها علم الحروف؛ ويَستشهد بها غينون شاهدًا غربيًّا على وَحدة الميتافيزيقا، ويُبرز الشيخ مفتاح ما يكافئها بالضبط في التصوّف الإسلامي.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

موقع القبّالة عند غينون أنها أحد الألسنة التراثية للميتافيزيقا الواحدة، تَنطق بها الملّة الإسرائيلية كما تَنطق الفيدنتا بالسنسكريتية والتصوّف بالعربية. وأبرز ما يَلتقطه منها:

  • التدرّج من المبدأ إلى التجلّي: من «عين سوف» (اللامتناهي غير الموصوف) إلى «السفيروت» (المراتب العشر للتجلّي)، وهو نظيرُ الانتقال من الذات إلى الأسماء في التصوّف، ومن «نِرغونا براهما» إلى «إيشوارا» في الفيدنتا. انظر الجدول المقارن.
  • «شجرة الحياة»: بنيةٌ رمزية تَصِف انبثاق العوالم، تَلتقي برمز الشجرة المقلوبة التي أصلُها في الأعلى.
  • علم الحروف: للحروف في «سِفر يَتسيراه» دورٌ في نشأة الكون، وهو نظيرُ علم الحروف في التصوّف الإسلامي.
  • العوالم الأربعة: مراتب الوجود في القبّالة لها ما يكافئها في الحضرات الإلهية عند أهل التصوّف.

شواهد من غينون

“«علم الحروف» في القبالة العبرية له تقريبا نفس الأهمية في التصوف الإسلامي.” — (رموز العلم المقدّس)

“…جعل مناسبات بالتتالي بينها وبين «العوالم» الأربعة كما هي في القبالة العبرية، والتي لها ما يكافئها بالضبط في التصوف الإسلامي.” — (رموز العلم المقدّس)

“…القبالة العبرية تجمع الدلالاتين في رمزية «ظل النور» المنبثق من «شجرة الحياة».” — (رموز العلم المقدّس)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

“القبالة العبرية عبارة عن جملة التراث العرفاني الروحي في الملّة الإسرائيلية.” — (رموز العلم المقدّس، تعقيب المترجم)

يَستعمل الشيخ مفتاح القبّالة استعمالًا دقيقًا: لا يَستوردها عقيدةً، بل يَعرضها بِنيةً مقابِلة تُضيء وَحدة الميتافيزيقا. فحين يَذكر غينون «عين سوف» أو «السفيروت» أو «شجرة الحياة»، يُقابلها الشيخ بما يَعرفه القارئ المسلم: الذات والأسماء، والحضرات، وشجرة الكون. وبهذا تَصير القبّالة عمودًا خامسًا في الجدول المقارن إلى جانب الإسلام والفيدنتا والطاوية والنصرانية، لا لِيُسوّى بين المِلل في الشرائع، بل لِيُبيَّن أنّ المُسمَّى واحدٌ وإن تعدّدت الألسنة.

على أنّ التوازي هنا بنيويٌّ لا تطابقيّ: فموقع القبّالة في الجدول لا يَعني إقرار عقائدها، بل بيان أنّ لها — في لغتها — البنية نفسها التي تَتناولها التراثيات الأصيلة.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل سُلَّمًا واحدًا وَصفه أهل لغاتٍ شتّى:

  • يَصف القبّاليُّ صعودَه من الأرض إلى «عين سوف» عبر درجات «السفيروت».
  • ويَصف الصوفيُّ سيرَه من الخلق إلى الحقّ عبر الحضرات والمقامات.

فلو وَقفتَ عند أسماء الدرجات لَحَسِبتهما سُلَّمين. لكنّ غينون يُريك أنّ السُّلَّم واحد: مبدأٌ أعلى لا يُدرَك، ثمّ مراتبُ تجلٍّ تَنزل منه، ثمّ كائنٌ يَصعد فيها راجعًا إلى أصله.

في «ملل ومذاهب»: القبّالة والعدد

في ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية يتوسع غينون في القبالة من زاويتين:

  1. معنى الكلمة والجذر: «قبل» في العبرية والعربية يدل على التلقي والانتقال والاتجاه، ولذلك تتصل القبالة بفكرة السلسلة الروحية لا بمجرد معرفة نظرية.
  2. علم الأعداد والحروف: القبالة لا تستعمل العدد كحساب كمي فقط، بل كوسيلة رمزية لبيان المذهب نفسه. وهنا يظهر قربها من علم الحروف الإسلامي، لا من الفيثاغورية اليونانية التي يغلب عليها الرمز الهندسي.

“بل يحدث أحيانًا أنْ تقوم بعض العلوم التراثية بدورٍ أكثر أهميّة … وهذا ما يحدث على وجه الخصوص فيما يتعلق بالـ«قابّاله» العبرية، أي «علم الأعداد»، الذي يتطابق أيضًا إلى حد كبير مع «علم الحروف» في التصوّف الإسلامي.” (ملل ومذاهب تراثية ودورات كونية، القسم الثالث)

وهذا يربط القبالة بملف التراث القطبي والأطلنطي أيضا؛ فغينون يرى أن التراث العبري يحمل صلة خاصة بالتيار الغربي/الأطلنطي، لكن من غير أن ينفصل في الأصل الأعلى عن الملة الفطرية الأولى.

صلات