في جملة واحدة

وحدة الوجود لفظٌ يَحمل معنيَين لا ثالث لهما في هذه الموسوعة: معنًى فلسفيٌّ خاطئ لا يُميّز بين الخالق والمخلوق ولا بين القديم والحادث، وهو المرفوض عند غينون وعند الشيخ مفتاح وعند ابن عربي نفسه؛ ومعنًى إسلاميٌّ أصيل عند المحقّقين مَبناه على توحيد الأفعال وافتقار كلّ موجودٍ إلى مُوجِده. والخلطُ بين المعنيَين هو أصل أكثر ما قيل في هذا الباب.

الشرح الميتافيزيقي (تلخيص لموقف غينون)

تلخيصٌ بصياغة المحرّر لموقفٍ يَتكرّر في «التصوف الإسلامي المقارن» و«مراتب الوجود المتعدّدة»، مستندًا إلى نصوصهما وإلى حواشي المترجم.

يَقوم التمييز على ثلاث نقاط:

  1. ما يَرفضه غينون صراحةً: أن يُقال إنّ التصوّف قائمٌ على «الحلول» (أن يَحلّ الحقّ في الخلق) أو «الاتحاد» (أن يَتّحد العبد بالربّ) أو وحدة الوجود بمعناها الفلسفيّ. وهو يَنفي هذا نفيًا مباشرًا، ويَقرن نفيَه بنفي الانحراف في العقيدة والابتداع في الشريعة، فيَجعل التصوّف الصحيح مُلازمًا للشرع لا خارجًا عنه.
  2. لماذا يَقع الخلط: لأنّ لغة الميتافيزيقا تَتكلّم عن وَحدة المبدأ، فيَظنّ القارئ الفلسفيّ أنّها تَقول بذوبان الخلق في الحقّ. والحال أنّ تعدّد مراتب الوجود لا يُناقض وَحدة المبدأ، لأنّ المراتب كلَّها مفتقرةٌ في وجودها إلى مبدئها، فلا تُضاف إليه ولا تُشاركه.
  3. المعنى الصحيح: أنّ الوجود الحقّ واحدٌ واجبٌ بذاته، وما سواه حادثٌ لا قيام له إلا بربّه؛ فالتمييز بين الخالق والمخلوق، وبين الظاهر والمظاهر، وبين المطلق والمقيَّد، قائمٌ لا يَرتفع. وهذا هو الفارق بين توحيد المحقّقين وبين وحدة الوجود الفلسفية.

شواهد من غينون

“أنّ التصوّف لا يمتُّ بصلة لعقيدة الاتحاد أو وحدة الوجود من حيث معانيها الفلسفية الخاطئة, كما لا علاقة له بتاتا بالانحراف في العقيدة والابتداع في الشريعة.” (التصوف الإسلامي المقارن)

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“وفي الباب 559 من الفتوحات:“ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، كما أنّ القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول"" (مراتب الوجود المتعدّدة، حاشية المترجم)

“وفيه بيان دقيق للحقائق المتعلقة بوحدة الوجود، لا بمعناها الخاطئ الذي لا يميّز بين الخالق والمخلوق، ولا بين القديم الأزلي واجب الوجود والحادث المخلوق الذي لا قيام له إلا بربّه، ولا بين الوجود الواحد والموجودات المتكاثرة، ولا بين الظاهر والمظاهر” (مراتب الوجود المتعدّدة، مقدمة المترجم)

“ولا بضلالات الاتحاد والحلول، بل وحدة الوجود بمعناها الإسلامي الأصيل من توحيد الأفعال” (مراتب الوجود المتعدّدة، مقدمة المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر أهمّ ما في هذه المسألة أنّ الردّ فيها ليس دفاعًا متأخّرًا من المترجم، بل هو قولُ ابن عربي نفسه. فالباب ٥٥٩ من الفتوحات يَنفي القولَ بالاتحاد والحلول نفيًا شديدًا، وهما التهمتان اللتان يُرمى بهما الشيخ الأكبر. فمن نَسب إليه القول بهما فقد نَسب إليه ما نَفاه بلسانه.

ولهذا يَجتمع في هذه الصفحة ثلاثة أصواتٍ على معنًى واحد: ابن عربي يَنفي الاتحاد والحلول، وغينون يَنفي عن التصوّف وحدة الوجود بمعناها الفلسفيّ، والشيخ مفتاح يُحرّر المعنى الصحيح ويَردّه إلى توحيد الأفعال. وليس هذا اتفاقًا عارضًا، بل هو نفس الموقف مُعبَّرًا عنه في ثلاثة أزمنة وثلاث لغات.

وموضع الفائدة للقارئ المسلم: أنّ التحفّظ الذي يَحمله على غينون أو على ابن عربي، إن كان مبناه على تهمة وحدة الوجود، فهو تحفّظٌ على قولٍ لم يَقولاه. والإنصاف أن يُحمل كلامُ الرجل على ما قرّره هو، لا على ما فُهم منه.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل الشمسَ وضوءَها على الأشياء:

  • الضوءُ الذي على الجدار ليس جزءًا انفصل من الشمس فحلّ في الجدار؛ فهذا معنى الحلول، وهو باطل.
  • ولا الجدارُ صار شمسًا؛ فهذا معنى الاتحاد، وهو باطل.
  • والحقّ أنّ الجدار لا ضوء له من ذاته أصلًا، وأنّ كلّ ما يُرى عليه من نورٍ فمن الشمس، وأنّه مع ذلك جدارٌ لا شمس.

فالتمييز قائمٌ بين الشمس والجدار، والافتقار تامٌّ من الجدار إلى الشمس. وهذا تقريبٌ لمعنى قولهم إنّ الوجود الحقّ واحد، وإنّ ما سواه قائمٌ به لا بنفسه، من غير حلولٍ ولا اتحاد. والمثال قاصرٌ كسائر الأمثال، فإنّ الشمس مخلوقةٌ مثل الجدار، وإنما يُراد تقريب الافتقار مع بقاء التمييز.

صلات