رينيه غينون سنة ١٩٢٥

الشيخ عبد الواحد يحيى

رينيه غينون

المؤلف الذي تتفرّع منه هذه الموسوعة: نقد الحداثة، بيان الميتافيزيقا التقليدية، قراءة الرموز المقدّسة، وتقريب وحدة المعاني بين التراثيات.

في جملة واحدة

رينيه غينون (١٨٨٦-١٩٥١م) ميتافيزيقيٌّ فرنسيّ دَخل الإسلام وتلقّن الطريقة الشاذلية، فصار عبد الواحد يحيى، وعاش آخر عمره بالقاهرة زاهدًا مُستخفيًا. ليس مُستشرقًا يَنظر إلى التراث من خارجه، بل داخلٌ فيه يَكتب من سَنده؛ ومشروعه كلّه: أنّ المعرفة الميتافيزيقية ليست فلسفةً نظرية بل علمًا بالمبادئ يَتجاوز الفرد. وهو في هذه الموسوعة المؤلف المركزي الذي تُقرأ كتبه العربية بترجمة الشيخ عبد الباقي مفتاح وتعليقاته الأَكبرية.

التعريف

وُلد رينيه جان ماري جوزيف غينون في بلوا بفرنسا يوم ١٥ نوفمبر ١٨٨٦م، في أسرة كاثوليكية. انتقل إلى باريس شابًّا، فخالط في مطلع القرن العشرين عددًا من الأوساط الباطنية الغربية (المحافل والمدارس الإخفائية والثيوصوفية)، ثم انقلب عليها فصار من أشدّ ناقديها: أَفرد للثيوصوفية كتابًا في فضحها، وللأرواحية كتابًا آخر، يُبيّن فيهما أنّها انتحالٌ حديثٌ بلا سَند تراثيّ صحيح.

ولم يَدخل غينون الإسلام من فراغ: كان الوسيط إليه الرسّامَ والعارفَ الأوروبيّ إيفان أغويلي (المسمّى في الإسلام عبد الهادي)، الذي أسلم متأثّرًا بابن عربي، وسافر إلى فرنسا بإشارةٍ من شيخه المصريّ عبد الرحمن عليش ليُقيم صلةً روحية بين الشرق والغرب. فالتقى غينون وشاركه تحرير مجلّة «المعرفة» من سنة ١٩١٠م، وأثمرت صحبتُهما صلةً بين غينون والشيخ عليش عبر تبادل الرسائل، كانت نتيجتها أن أسلم غينون سنة ١٩١٢م بعد دراسةٍ عميقة، وتسمّى عبد الواحد يحيى.

ومن نقده للباطنية المنتحَلة انتقل إلى بناء مشروعه الإيجابيّ في الميتافيزيقا التقليدية: لا تكون المعرفة عنده فلسفةً نظرية ولا بحثًا أكاديميًّا، بل علمًا بالمبادئ الكلّية مُرتبطًا بسَندٍ تراثيٍّ حيّ. وقد وَجد هذا السَّند في الطريقة الشاذلية على يد عبد الرحمن عليش (من علماء الأزهر، شيخ فرعٍ من الشاذلية، وشيخ المالكية بالأزهر)، وإليه أهدى كتابه «رمزية الصليب».

قبل هجرته إلى مصر عَمل أستاذًا للفلسفة بالجزائر سنة ١٩١٧م عامًا واحدًا، ثم تفرّغ للتأليف، فنشر سنة ١٩٢١م أوّل كتابَيه الكبيرَين، وصار من سنة ١٩٢٥م من أبرز مُحرّري مجلّة «برقع إيزيس» (Le Voile d’Isis). وفي ٢٠ فبراير ١٩٣٠م (سنة وفاة شيخه عليش) سافر إلى القاهرة لمهمّة نشرٍ قصيرة، فاستقرّ بها حتى وفاته باسم عبد الواحد يحيى، زاهدًا مُستخفيًا لا يُخالط الأوربيين، يَشغل وقته بالتأليف والإجابة عن الرسائل، على صلةٍ وثيقة بإمام الطريقة الحامدية الشاذلية الشيخ سلامة الراضي. فسيرتُه ليست سيرة باحثٍ كَتب عن التصوّف، بل سيرة سالكٍ تحقّق به.

أسرته ووفاته

تفاصيلُ مُستخلصةٌ من مقال المترجم الشيخ عبد الباقي مفتاح «كيف اعتنق جينو الإسلام؟» في «شرق وغرب»، ناقلًا عن سِيَره الغربية (بول شاكورناك وأندريه روسو).

تزوّج غينون سنة إسلامه (١٩١٢م) من فتاةٍ فرنسية من إقليمه. وقد تُوفّي والداه وزوجته قبل هجرته إلى القاهرة، فقَدِمها وحيدًا، حتى تزوّج سنة ١٩٣٤م كريمةَ الشيخ الصوفيّ محمد إبراهيم، فانتقل بها من حيّ الأزهر إلى حيّ الدقّي. ورُزق منها بنتَين سمّاهما خديجة وليلى، وابنًا سمّاه أحمد، ثم رُزق بعد وفاته بنحو أربعة أشهر بولدٍ سمّته أمّه باسم أبيه: عبد الواحد.

تُوفّي يوم ٧ يناير ١٩٥١م تحيط به أسرته. وشُيّعت جنازته المتواضعة إلى مسجد سيّدنا الحسين فصُلّي عليه، ثم إلى مقبرة الدراسة، ودُفن في مقبرة أسرة الشيخ محمد إبراهيم. ولمّا بلغ نبأُ وفاته باريس، تناقلت الصحف رثاءه بعناوين مثل «حكيمٌ كان يعيش في ظلّ الأهرام» و«فيلسوف القاهرة» و«أكبر الروحانيين في العصر الحديث»، وخصّصت له مجلّة «دراسات تراثية» عددًا ضخمًا. وما زال كثيرٌ ممّن يَقرأ كتبه يَدخل الإسلام ويَنخرط في الطريق الصوفيّ إلى اليوم.

منهجه: ما «الميتافيزيقا» عنده؟

تلخيصٌ لمنهج غينون كما يَتكرّر في «الميتافيزيقا الشرقية» و«شرق وغرب» وغيرهما، بصياغة المحرّر، مستندًا إلى نصوصها.

يَقوم مشروع غينون على ثلاث ركائز تُميّزه عن كلّ فيلسوف غربيّ:

  1. الميتافيزيقا معرفةٌ لا فلسفة: موضوعها المبادئ الكلّية، وإدراكها لا يكون بالعقل المفكِّر (وهو مَلَكة فردية بشرية)، بل بما فوق العقل، أي بـالتحقّق الميتافيزيقيّ الذي يَنقل صاحبه إلى مرتبةٍ فوق فرديته. فالفيلسوف يُفكّر؛ والميتافيزيقيّ يَتحقّق.
  2. الشرق والغرب: الفارق الجوهريّ بينهما عنده ليس حضاريًّا عَرَضيًّا، بل هو حفظ التراث الروحيّ في الشرق ونسيانه في الغرب الحديث. ومن هنا نقدُه للحداثة في أزمة العالم الحديث وهيمنة الكمّ: الحضارة الحديثة «حُثالةٌ» كمّية أُفرغت من جوهرها الكيفيّ.
  3. لا أصالة شخصية: لا يَدّعي غينون رأيًا خاصًّا ولا مذهبًا مُبتدَعًا، بل يُقرّر أنّه يَنقل المعرفة التراثية كما هي. ولهذا يَرفض أن يُقرأ كصاحب «فلسفة غينونية»؛ هو لسانٌ للتراث، لا مُنشئٌ له.

شواهد من غينون

“والوعي الفعليّ بالمراتب «فوق الفردية» هو الموضوع الحقيقي للميتافيزيقا، بل بتعبير أحسن، هو عين المعرفة الميتافيزيقة.” (الميتافيزيقا الشرقية)

“في جانب الشرق، توجد المحافظة على التراث الرّوحي والعرفاني مع كل ما يستلزمه؛ وفي جانب الغرب، يوجد نسيان وفقدان لنفس هذا التراث. في جانب الشرق، توجد صيانة للمعرفة الميتافيزيقية؛ وفي جانب الغرب، جهل مطبق بكل ما يتعلـّق بهذا الميدان.” (الميتافيزيقا الشرقية)

“أنّ التصوّف لا يمتُّ بصلة لعقيدة الاتحاد أو وحدة الوجود من حيث معانيها الفلسفية الخاطئة, كما لا علاقة له بتاتا بالانحراف في العقيدة والابتداع في الشريعة.” (التصوف الإسلامي المقارن)

موضعه في هذه الموسوعة

ليست صفحة غينون هنا سيرةً مستقلة فحسب، بل مدخلٌ إلى البنية كلّها. فكتبه هي المادة التي نقلها الشيخ مفتاح إلى العربية، وتعليقاته هي التي تَجعل المصطلح الغينونيّ يَلتقي بمعجم ابن عربي والجيلي والتصوف الإسلامي. وتظهر أركان مشروعه في أربعة محاور:

  1. نقد الحداثة: في أزمة العالم الحديث وهيمنة الكمّ وشرق وغرب.
  2. بيان الميتافيزيقا: في الميتافيزيقا الشرقية ومراتب الوجود المتعدّدة.
  3. الرمزية المقدسة: في رموز العلم المقدّس ورموز الإنسان الكامل ومليك العالم.
  4. التربية والتحقّق: في نظرات في التربية الروحية والتربية والتحقّق الروحي.

نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح

“كتبه سنة 1931، وهي السنة التي استقر فيها بالقاهرة، وذلك إثر وفاة شيخه في الطريق الصوفي: عبد الرحمن عليش الذي كان من أعلام علماء الأزهر وشيخا للطريقة الشاذلية ومفتيا للمالكية.” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم)

“فاستمر الشيخ عبد الواحد يحيى في القاهرة يعيش في حي الأزهر، متواضعاً، مستخفياً لا يتصل بالأوروبيين، ولا ينغمس في الحياة العامة، وإنَّما يشغل كلّ وقته بدراساته وتآليفه والإجابة عن الرسائل الكثيرة التي ترد عليه. وكانت له صلة عميقة متينة مع إمام الطريقة الحامدية الشاذلية الشيخ المربي العارف سلامة الراضي.” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم)

“كلمة (tradition) يمكن ترجمتها بـ(تقليد) و(دين) و(تراث) و(موروث)، لكنها كلها في تقديري لا تفي بمقصود الشيخ عبد الواحد يحيى، لأنّه يعنى بها خصوصا العمق العرفاني لكل ذلك.” (هيمنة الكمّ، حاشية المترجم)

“نبّه الشيخ عبد الواحد يحي (رنيه ڨينو: 1886-1951) في العديد من مقالاته وكتبه، بصريح العبارة أو بالتلويح والإشارة، على أنّ الإسلام هو الدين الجامع الخاتم لسلسلة الملل الإلهية، التي يتمثل لبها في التربية الروحية العرفانية الكاملة.” (التصوف الإسلامي المقارن، تقديم المترجم)

“وأثمرت مرافقته لجينو أن عقد بينه وبين الشيخ عليش صلة قوية متينة عن طريق تبادل الرسائل والآراء، كانت النتيجة أن اعتنق جينو الإسلام سنة 1912م بعد أن درسه دراسة عميقة مستفيضة.” (شرق وغرب، مقال المترجم)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

قلم المحرّر موقع غينون في معجم الموسوعة يَقوم على مفتاحٍ واحد يُكرّره الشيخ مفتاح: غينون ليس مُستشرقًا يَنظر إلى التصوّف من خارج، بل عارفٌ دَخل التراث الأكبريّ واستَمدّ من مَنابعه. ولهذا لا يُترجم الشيخ كلماته ترجمةً لغوية فحسب، بل يَردّ كلّ مصطلحٍ غينونيّ إلى أصلٍ مُحدّد عند ابن عربي في الفتوحات والفصوص؛ فـ«الجوهر الفاعل والمنفعل» يَرجع إلى القلم واللوح، و«الإنسان الكامل» إلى بابه الأكبريّ، و«علم الحروف» إلى أبواب الفتوحات.

ومن أَدقّ ما يَحرص عليه الشيخ: أنّ التصوّف الذي يُقرّره غينون ليس وحدةَ الوجود الفلسفية الخاطئة، ولا الحلول، ولا الاتحاد؛ وغينون نفسه يُصرّح بهذا (انظر الشاهد أعلاه). فالشيخ مفتاح يَلتقط هذا التصريح ويُؤكّده، لأنّه يَخوض المعركة نفسها: الدفاع عن مدرسة ابن عربي أن تُتّهم بوحدة الوجود الفلسفية. وتفصيلُ ذلك في وحدة الوجود والفرق بينها وبين الحلول والاتحاد.

وثمّة نكتةٌ تاريخية لا تَخلو من دلالة: أنّ غينون انتقل من نقد الباطنية الغربية المنتحَلة (الثيوصوفية والأرواحية) إلى التحقّق بالتصوّف الإسلاميّ ذي السند. فهو في سيرته شاهدٌ على أطروحته نفسها: أنّ التحقّق لا يكون إلا بسَندٍ حيّ، لا بادّعاءٍ فرديّ.

مثال يقرّب المعنى

تأمّل مُترجمًا لكتابٍ مُقدّس لا يَعرف لغته الأصلية، وآخرَ يَعرف اللغتَين معًا وقد عاش بين أهل الكتاب:

  • الأوّل يَنقل الألفاظ، فيُصيب ظاهرها ويُخطئ روحها؛ هذا حالُ المستشرق الذي يَكتب عن التصوّف من خارجه.
  • والثاني يَنقل المعنى من الداخل، لأنّه صار من أهله؛ وهذا حالُ غينون: لم يَكتب عن التراث، بل مِن التراث، بعد أن دَخله وتلقّن طريقه.

ولهذا كان لقاء غينون والشيخ مفتاح لقاءَ سالكَين لا لقاءَ باحثَين: غينون يَكتب بالفرنسية من سَنده الشاذليّ، ومفتاح يَترجمه من سَنده الشاذليّ نفسه؛ فالجِسر بينهما ابن عربي، والأصل من ورائهما القرآن.

مؤلَّفاته (مختارات)

القائمة كما أَوردها المترجم في «هيمنة الكمّ» (مع العنوان الفرنسيّ وسنة التأليف)، وأكثرُها مُترجَمٌ ضمن هذه الموسوعة.

صور تاريخية

هذه الصور نُقلت إلى الموقع من أرشيف العمل المحلي في research/rene_guenon. أُبقيت الصورة التجارية المنشورة عند Roger-Viollet خارج الموقع لأنها تحتاج ترخيصا صريحا.

صلات

مصادر السيرة والصور

مصادر السيرة هنا داخليّة من الموسوعة نفسها: مقال المترجم «كيف اعتنق جينو الإسلام؟» في «شرق وغرب» (الوسيط عبد الهادي، الإسلام سنة ١٩١٢م، الزواجان، الأبناء، الوفاة والدفن)، وحواشيه في «هيمنة الكمّ» (السند الشاذليّ، الهجرة إلى القاهرة، الشيخ عليش، الشيخ سلامة الراضي)، وتقديمه لـ«التصوف الإسلامي المقارن» (رتبة غينون وحجم مشروع الترجمة). والمصادر الخارجية الموجزة والصور مفصّلة في research/rene_guenon/README.md.